أبوعبيدة بن الجراح – رضى الله عنه

أبوعبيدة عامر بن عبدالله بن الجراح الفهري، يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في أحد أجداده (فهر بن مالك)، وأمه من بنات عم أبيه، أسلمت وقُتل أبوه كافرا يوم بدر. كان رضي الله عنه طويل القامة، نحيل الجسم، خفيف اللحية، وقد أسلم على يد أبي بكر الصديق في الأيام الأولى للإسلام، وهاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية ثم عاد ليشهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها.

غزوة بدر
في غزوة بدر كان والد أبوعبيدة يتصدّى لابنه، فحاد عنه أبو عبيدة، ولمّا أكثر قصدَه قتله، فأنزل الله هذه الآية، قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ} [المجادلة 22].

غزوة أحد
يقول أبوبكر الصديق رضي الله عنه: “لما كان يوم أحد، ورُمي الرسول صلى الله عليه وسلم حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر، أقبلت أسعى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا، فقلت: اللهم اجعله طاعة، حتى إذا توافينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هو أبوعبيدة بن الجراح قد سبقني، فقال: “أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم” فتركته، فأخذ أبوعبيدة بثنيته إحدى حلقتي المغفر، فنزعها وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى فسقطت، فكان أبوعبيدة في الناس أثرم”.

غزوة الخبط
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أباعبيدة بن الجراح أميرًا على ثلاثمائة وبضعة عشرة مقاتلًا، وليس معهم من الزاد سوى جراب تمر، والسفر بعيد، فاستقبل أبوعبيدة واجبه بغبطة وتفاني، وراح يقطع الأرض مع جنوده وزاد كل واحد منهم حفنة تمر، وعندما قل التمر أصبح زادهم تمرة واحدة في اليوم، وعندما فرغ التمر راحوا يتصيدون (الخبط) أي ورق الشجر فيسحقونه ويسفونه ويشربون عليه الماء، غير مبالين الا بإنجاز المهمة، لهذا سميت هذه الغزوة بغزوة الخبط.

أمين الأمة
قدم أهل نجران على النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن يرسل إليهم واحدًا فقال عليه الصلاة والسلام: “لأبعثن (يعني عليكم) أمينا حق أمين” فتشوف أصحابه رضوان الله عليهم يريدون أن يُبعثوا لا لأنهم يحبون الإمارة أو يطمعون فيها، ولكن لينطبق عليهم وصف النبي صلى الله عليه و سلم “أمينًا حق أمين” وكان عمر نفسه رضي الله عليه من الذين حرصوا على الإمارة لهذا آنذاك بل صار (كما قال يتراءى) أي يُري نفسه للنبي صلى الله عليه وسلم حرصا منه رضي الله عنه أن يكون أمينًا حق أمين، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم تجاوز جميع الصحابة وقال: “قم يا أباعبيدة”.

وقد كان لأبي عبيدة مكانة عالية عند عمر فقال رضي الله عنه وهو يجود بأنفاسه: “لو كان أبوعبيدة بن الجراح حيًا لاستخلفته فإن سألني ربي عنه، قلت: استخلفت أمين الله، وأمين رسوله”.

تواضعه
ترامى إلى سمعه أحاديث الناس في الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء، فجمعهم وخطب فيهم قائلًا: “يا أيها الناس، إني مسلم من قريش، وما منكم من أحد أحمر ولا أسود، يفضلني بتقوى إلا وددت أني في إهابه”.

وعندما زار أمير المؤمنين عمر الشام سأل عن أخيه، فقالوا له: “من ؟” قال: “أبوعبيدة بن الجراح”، وأتى أبوعبيدة وعانقه أمير المؤمنين ثم صحبه إلى داره، فلم يجد فيها من الأثاث شيئا، إلا سيفه وترسه ورحله، فسأله عمر وهو يبتسم: “ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس؟”، فأجاب أبوعبيدة: “يا أمير المؤمنين، هذا يبلغني المقيل”.

طاعون عمواس
حل الطاعون بعمواس وسُمي فيما بعد “طاعون عمواس” وكان أبوعبيدة أمير الجند هناك، فخشي عليه عمر من الطاعون فكتب إليه يريد أن يخلصه منه قائلًا: “إذا وصلك خطابي في المساء فقد عزمت عليك ألا تصبح إلا متوجها إلي، وإذا وصلك في الصباح ألا تمسي إلا متوجها إلي، فإن لي حاجة إليك”.

فهم أبوعبيدة المؤمن الذكي قصد عمر وأنه يريد أن ينقذه من الطاعون فكتب إلى عمر متأدبا معتذرا عن عدم الحضور إليه وقال: “لقد وصلني خطابك يا أمير المؤمنين وعرفت قصدك وإنما أنا في جند من المسلمين يصيبني ما أصابهم، فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين”.

لما وصل الخطاب إلى عمر بكى، فسأله من حوله: “هل مات أبوعبيدة؟”، فقال: “كأن قد”. والمعنى أنه إذا لم يكن قد مات بعد وإلا فهو صائر إلى الموت لا محالة، إذ لا خلاص منه مع الطاعون.

كان أبو عبيـدة رضي الله عنه في ستة وثلاثين ألفاً من الجُند، فلم يبق إلاّ ستة آلاف رجل والآخرون ماتوا. ومات أبوعبيـدة رضي الله عنه سنة ثماني عشرة للهجرة في طاعون عمواس، وقبره في غور الأردن، رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى.

المصدر
طريق الإيمان