غدر اليهود ونقضهم العهود مع الرسول

لما انتصر المسلمون في غزوة بدر، اغتاظ اليهود في المدينة بشدّة، فكان يهود بني قينقاع يسخرون من المسلمين، ويقللون من شأن انتصارهم يوم بدر، وقام شاعرهم كعب بن الأشرف بحملة عدائية ضد المسلمين، وأخذ يبكي بشعره قتلى بدر من المشركين، ويحرض قريشًا على الأخذ بثأرها، ومحو عار هزيمتها.

وتمادى يهود بنو قينقاع في شرهم، فاعتدوا على امرأة مسلمة، دخلت سوقهم لتبيع مصاغًا لها، فأحاط بها عدد من اليهود وآذوها، وطلبوا منها أن تكشف عن وجهها، فأبت، فعقد الصائغ ثوبها إلى ظهرها وهي لا تشعر، فلما قامت تكشفت فضحكوا عليها، فصاحت واستغاثت.

فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فتجمع اليهود على المسلم فقتلوه، فلم يجد رسول الله عليه الصلاة والسلام بدًّا من غزو هؤلاء الخائنين، وقد نقضوا العهد الذي بينه وبينهم بهذه الفعلة النكراء، فحاصرهم خمس عشرة ليلة، ثم فكّ الحصار عنهم وأجلاهم عن المدينة بعد أن أخذ أسلحتهم، فارتحلوا مخذولين إلى حدود بلاد الشام.

ولم يتعظ من بقي من قبائل اليهود بما حدث لإخوانهم من بني قينقاع، وراحوا يمارسون هوايتهم وطبعهم في المكر ونسج المؤامرات، وازدادت جرأتهم بعد غزوة أحد، حتى وصل بهم الأمر أن خططوا لمؤامرة تهدف إلى التخلص من النبي عليه الصلاة والسلام.

وذلك عندما خرج إليهم النبي عليه الصلاة والسلام يطلب من يهود بني النضير مساعدته في دفع دية رجلين قتلهما أحد المسلمين خطأً، وكان ذلك يجب عليهم حسب بنود المعاهدة التي بينهم وبين النبي عليه الصلاة والسلام ، فتظاهروا بالموافقة، لكنهم بيّتوا الشر، وطلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام أن يجلس بجوار جدار أحد بيوتهم ينتظر وفاءهم بما وعدوا، وخلا بعضهم إلى بعض، واتفقوا على أن يلقى أحدهم صخرة كبيرة على النبي عليه الصلاة والسلام من فوق ذلك البيت فتقتله.

فنزل جبريل-عليه السلام- من عند رب العالمين، وأخبره بما هَمَّ به أولئك الخبثاء من غدر، فقام النبي عليه الصلاة والسلام مسرعًا، وتوجه نحو المدينة، ولحقه من كان معه من أصحابه، وعندما تأكد للنبي عليه الصلاة والسلام إصرار هؤلاء اليهود على الغدر، وتآمرهم وحقدهم على الإسلام، اتخذ قراره بإجلائهم عن المدينة.

ولقد شن اليهود على رسول الله عليه الصلاة والسلام قديمًا وحديثًا حملات إعلامية لتشويه صورته، وتنفير الناس منه ومن دينه ودعوته؛ لشعورهم بخطورة هذا الدين على مصالحهم، وعلى عقيدتهم المنحرفة القائمة على الاستعلاء واحتقار الناس عدا الجنس اليهودي.

فقد جاء رسول الله عليه الصلاة والسلام ينادي بعقيدة التوحيد وهم يقولون: عزير ابن الله، وجاء ينادي بالمساواة وهم يرون أنهم شعب الله المختار، ومن ثَمّ كثرت مواقفهم ومؤامراتهم الخبيثة؛ لمحاولة قتل النبي عليه الصلاة والسلام ، والقضاء على الإسلام في مهده الأول في المدينة المنورة.

هذه المؤامرات تتكرر بين الحين والحين، وتتغير أشكالها بتغير الزمان والمكان، لكنها لا تتوقف، ولن تتوقف، فقد أوضح الله تعالى للمسلمين أن عداوة اليهود لهم أبدية، لا تقبل التغيير، ولا تتحول إلى المسالمة والمحبة إلا إذا ارتد المسلمون عن دينهم، فقال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].

هكذا شأن اليهود، فالعداوة للحق متأصلة فيهم يتوارثونها كابرًا عن كابر، فهم قتلة الأنبياء وأعداء الرسل وأعداء أتباعهم في كل عصر وفي كل مِصر.

إن مواقف اليهود الخبيثة والحاقدة على الإسلام وعلى رسول الله عليه الصلاة والسلام في المدينة كثيرة، وليس هذا حصرًا لها بقدر ما هو إشارة إلى بعض منها؛ للاستفادة منها في واقعنا.. فعلى المسلمين أن يتنبهوا لمؤامرات اليهود وغيرهم، وأن يقفوا يدًا واحدة أمام أطماعهم ومؤامراتهم.

المصدر
موقع التاريخ

اليهود ومؤامراتهم في المدينة

إن عداوة اليهود للنبي عليه الصلاة والسلام لا عجب فيها، فحالهم مع أنبيائهم، فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون، ومن ثَمّ لا غرابة أن يكذبوا ويعادوا ويتطاولوا على رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل ويحاولوا قتله.

أما مواقفهم ومؤامراتهم على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى المسلمين في المدينة فكثيرة، نشير إلى بعضها للاستفادة منها في واقعنا.

إساءة الأدب مع الرسول عليه الصلاة والسلام
كان اليهود يسيئون الأدب مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في حضرته وأثناء خطابه، فكانوا يحيونه بتحية، في باطنها الأذى والحقد عليه عليه الصلاة والسلام ؛ مما يدل على خبثهم وسوء أخلاقهم وبغضهم الشديد لرسول الله عليه الصلاة والسلام .

عن عائشة-رضي الله عنها- قالت: (جاء ناس من اليهود إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالوا: السَّامُ (الموت) عليك يا أبا القاسم. فقلت: السام عليكم، وفعل الله بكم. فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام : «مه يا عائشة؛ فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش».

فقلت: يا رسول الله، ترى ما يقولون؟ فقال: «ألست تريني أرد عليهم ما يقولون وأقول: وعليكم» (رواه البخاري). قالت: فنزلت هذه الآية في ذلك، وهي قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8].

تفكيك الجبهة الداخلية للمسلمين
ولقد حاول اليهود-كعادتهم- تصديع وتفكيك الجبهة الداخلية للمسلمين، فهذه إحدى وسائلهم الخبيثة-قديمًا وحديثًا- في حرب الإسلام، وذلك بإثارة الفتن الداخلية، والشعارات الجاهلية، والدعوات القومية والقبلية، والسعي بالدسيسة للوقيعة بين المسلمين.

روى الطبري في تفسيره: أن شاس بن قيس اليهودي، كان عظيم الكفر شديد العداوة للمسلمين، مرّ يومًا على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس يتحدثون، فغاظه ذلك حيث تآلفوا واجتمعوا بعد العداوة، فأمر شابًّا من اليهود أن يجلس إليهم ويذكّرهم يوم بُعاث، وينشدهم ما قيل فيه من الأشعار، وكان يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس، ففعل، فتشاجر القوم وتنازعوا، وقالوا: السلاح السلاح!

فبلغ النبي عليه الصلاة والسلام ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار، فقال: «أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم».

فعرف القوم أنه نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فما كان يوم أقبح أولاً وأحسن آخرًا من ذلك اليوم، وأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99].
ومن خلال هذا الموقف نرى قدرة النبي عليه الصلاة والسلام على إفشال مخطط اليهود الهادف لتفتيت وحدة الصف، وكذلك اهتمامه عليه الصلاة والسلام بأمور المسلمين وإشفاقه عليهم، وفزعه مما يصيبهم من الفتن والمصائب، فقد أسرع إلى الأنصار وذكّرهم بالله، وبيّن لهم أن ما أقدموا عليه من أمر الجاهلية.

وذكّرهم بالإسلام وما أكرمهم الله به من القضاء على الخلاف، وتطهير النفوس من الضغائن، وتأليف القلوب بالإيمان، فمسحت كلماته عليه الصلاة والسلام كل أثر لأمر الجاهلية-بفضل الله تعالى-، فأدركوا أن ما وقعوا فيه كان من وساوس الشيطان وكيد عدوهم من اليهود، فبكوا ندمًا على ما وقعوا فيه وتعانقوا؛ تعبيرًا على وحدتهم ومحبتهم الإيمانية لبعضهم.

المصدر
موقع التاريخ