جبريل في غار حراء منامًا ويقظة

جبريل في منام رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرة الأولى
من رواية ابن إسحاق يتضح لنا أن جبريل جاء للرسول صلى الله عليه وسلم في المرة الأولى كرؤيا في حال النوم، فقد قال صلى الله عليه وسلم نصًّا: “فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ وَأَنَا نَائِمٌ بِنَمَطِ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ”. ثم في آخر الحديث قال: “فَانْصَرَفَ عَنِّي، وَهَبَبْتُ مِنْ نَوْمِي، فَكَأَنَّمَا كَتَبْتُ فِي قَلْبِي كِتَابًا.”

هذان النصَّان في داخل الرواية يُشيران بشكل واضح أن القدوم الأول لجبريل عليه السلام في الغار كان في الرؤيا، وليس في الحقيقة، وهذا قد يستغربه كثير من الناس؛ لأننا نعرف أن جبريل تكلَّم مع رسولنا صلى الله عليه وسلم في الحقيقة، ولكن واقع الأمر أن هذا سيحدث بعد ذلك.
الرؤيا التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ستتحقَّق بعد ذلك “كفلق الصبح”، وسيرى الموقف نفسه الذي رآه في هذه الرؤيا على وجه الحقيقة بعد ذلك بأيام، وهذا يُفسِّر لماذا جمعت عائشة رضي الله عنها في روايتها الرؤيا الصالحة مع موقف زيارة جبريل الأولى.

رؤية جبريل حقيقة بعد المنام خارج الغار
الشعور بالرهبة والخوف بعد الرؤيا التي أتته دفعاه إلى الخروج من الغار، ومحاولة العودة السريعة إلى بيته ليَسْكُن إلى زوجته خديجة رضي الله عنها؛ لكن الأزمة اشتدَّت عندما خرج من معتكفه، لأنه صلى الله عليه وسلم سمع صوتًا من السماء في هذا المكان الموحش يقول له: “يا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ”، فيقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: ” فَرَفَعْتُ رَأْسِي إلَى السَّمَاءِ أَنْظُرُ، فَإِذَا جِبْرِيلُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ صَافٍّ قَدَمَيْهِ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ”.

هذا الوصف مهم؛ لأنه مغاير لوصف آخر سيراه رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحقًا، وهذا الذي يُفَسِّر الاختلافات بين الروايات، فهذه المرة الأولى التي رأى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام، رآه في صورة رجل “يقف” في السماء. كان المنظر مرعبًا ولا شك لدرجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يصرف نظره حتى لا يرى الأمر، فيقول عن نفسه: “فَوَقَفْتُ أَنْظُرُ إلَيْهِ فَمَا أَتَقَدَّمُ وَمَا أَتَأَخَّرُ وَجَعَلْتُ أَصْرِفُ وَجْهِي عَنْهُ فِي آفَاقِ السَّمَاءِ”.

لكن عندما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك الأمر ليتجنَّب رؤية الرجل الواقف في السماء، إذا به يرى منظرًا أشدَّ رعبًا، وأكثر تخويفًا؛ إذ إنه رأى الرجل في كل الاتجاهات التي حوله، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فَلاَ أَنْظُرُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا (أي من السماء) إلاَّ رَأَيْتُهُ كَذَلِكَ”، ثم يُكْمِل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف حالته المرتعبة فيقول: “فَمَا زِلْتُ وَاقِفًا مَا أَتَقَدَّمُ أَمَامِي، وَمَا أَرْجِعُ وَرَائِي حَتَّى بَعَثَتْ خَدِيجَةُ رُسُلَهَا فِي طَلَبِي، فَبَلَغُوا أَعْلَى مَكَّةَ وَرَجَعُوا إلَيْهَا، وَأَنَا وَاقِفٌ فِي مَكَانِي ذَلِكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِّي”.

لقد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكانه، وما استطاع أن يتحرَّك، ويبدو أن الموقف أخذ وقتًا طويلاً؛ لأن خديجة رضي الله عنها رأت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تأخَّر عن موعده، فأرسلت رسلها تطلبه في كل مكان؛ لكنه صلى الله عليه وسلم كان قد غادر الغار، ووقف في بطن الجبل، ولم يره الناس، فظلَّ واقفًا هذه المدَّة الطويلة، ثم بعد أن انصرف الرجل الواقف في السماء عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرعة إلى خديجة رضي الله عنها وهو في حالة من الرعب الشديد.

من المؤكد أن ذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مشغولاً في التفكُّر في هذا الحدث المهول الذي رآه منذ لحظات؛ فالرجل الواقف في السماء صرَّح أن محمدًا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصرَّح بكينونته هو؛ حيث عرَّف نفسه على أنه جبريل؛ لكنه لم يُكَلِّفه بشيء، والواقع أننا لا ندري إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم على وجه اليقين أن هذا الزمان هو زمان ظهور نبي، أو أن جبريل هو الملك الذي ينزل على الأنبياء، أم لا يعلم هذه الأمور؛ فالسيرة لم تُوَضِّح هذه النقطة.

عاد صلى الله عليه وسلم وهو خائف بشدَّة من الحدث، لا يدري على وجه الحقيقة إن كان أمر الرسالة والنبوة سيتحقق كما أنبأه الرجل الواقف في السماء، أم أنها أوهام لا يدري ما تفسيرها.

وقفة تأمل مع اللحظات الأولى لتلقي الوحي
خوف الرسول صلى الله عليه وسلم في اللحظات الأولى لتلقي الوحي لا بُدَّ أن نتوقَّف معه؛ لأن هذا أمر متكرِّر عند لحظات الوحي الأولى مع بعض الأنبياء، وقد قصَّ لنا القرآن الكريم قصة اللحظات الأولى من الوحي التي مرَّ بها موسى عليه السلام، وهي اللحظات الوحيدة التي شُرحت في القرآن الكريم عن هذه الصورة.

الخوف الذي حدث مع موسى عليه السلام بسبب رؤية العصا تتحوَّل إلى حيَّة، حدث مع رسولنا صلى الله عليه وسلم بسبب الضمَّة الشديدة، التي ضمَّها إيَّاه جبريل عليه السلام في الرؤيا، ثم بعد ذلك عندما رأى جبريل عليه السلام واقفًا في السماء يخاطبه.

لعلَّ الحكمة من وراء ذلك أن يُدرك النبيُّ أن هذا الأمر حقيقة، وليس نوعًا من الخيال أو الأوهام، كما أن هذا يلفت النظر إلى بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو، وإن كان مؤيدًا بالوحي، ومتابعًا من الله عز وجل بشكل مباشر، فإنه في النهاية بشر.

وقد أمر الله عز وجل رسولنا الكريم أن يُصَرِّح بهذه الحقيقة في مواقف كثيرة من القرآن الكريم؛ قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]. وهذا كثير في القرآن الكريم بهدف إثبات بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حتى لا يُغالي الناس بعد ذلك فيه، ويرفعوه إلى مقامات أعلى من مقامات البشرية، كما فعلوا قبل ذلك مع عيسى عليه السلام.

وقد يكون هذا الخوف أيضًا لإثبات عدم تشوُّف الرسول صلى الله عليه وسلم للرسالة، أو توقُّعه إيَّاها، وهذا يُؤَكِّد صدق النبوة، وصدق الوحي، وأنه ليس من اختراع أو ابتداع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يكون لأسباب أخرى غير التي ذكرناها؛ لكنها في النهاية حقيقة مشاهَدَة، وأمر واقع، أنه كان صلى الله عليه وسلم في حالة شديدة من الخوف عندما مرَّت به هذه الأحداث الكبيرة.

المصدر
موقع قصة الإسلام

الوحي والنبوة

توالت آثار النبوة تلوح عليه صلى الله عليه وسلم، وكان أعظم ذلك الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى شيئاً في منامه إلا كان مثل فلق الصباح في تحققه حتى مضى على ذلك ستة أشهر، ثم نزل عليه الوحي بالقرآن الكريم وهو متحنث في غار حراء، وذلك شهر رمضان في السابع والعشرين منه – على الأرجح – وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيما روته عنه عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [العلق: 1-3].

رَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَقَالَتْ خَدِيجَةُ كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ”.

بعد هذه الواقعة استمر نزول الوحي بالقرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثة عشر سنة، ثم بالمدينة النبوية بعد الهجرة عشر سنين، حتى اكتمل نزول القرآن، فكان هو الكتاب المتضمن لمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم في لغته ومضمونه ومعانيه، بما حواه من أخبار وآيات في الآفاق والأنفس، وحقائق علمية معجزة بجانب كونه الكتاب المتضمن لشرائع الإسلام وأحكام به. وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم سنين بعثته الأولى وهي ثلاث عشر سنة بمكة التي أضطهده فيها أهلها وأخرجوه منها مهاجراً إلى المدينة المنورة التي أنشأ فيها دولة الإسلام وتكاملت بها تشريعات الإسلام وتوسعت دائرته إلى خارج الجزيرة العربية حتى توفاه الله تعالى في السنة العاشرة للهجرة.

روايات نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم
رواية عائشة رضي الله عنها

عائشة رضي الله عنها لم تُعاصر الحدث؛ ولكنها سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من أحد الصحابة؛ كأبيها أبي بكر رضي الله عنه أو غيره، وإن كانت هناك بعض الإشارات في الحديث إلى أنها سمعت الحديث من الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة؛ لأن هناك التفاتًا في بعض الفقرات، التي يتحدَّث فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، والحديث في أعلى درجات الصحة، وجاء في البخاري ومسلم، ومن أكثر من طريق.

رواية عبيد بن عمير بن قتادة
الرواية الثانية التي تحدَّثت في أمر الوحي بالتفصيل؛ فهي رواية عبيد بن عمير بن قتادة في سيرة ابن إسحاق، وعبيد بن عمير من كبار التابعين، وأبوه صحابي جليل، وعبيد رحمه الله يروي عن كثير من الصحابة منهم عمر وعلي وأبو ذر وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري وعائشة وابن عمر .. وغيرهم رضي الله عنهم، وهي رواية صحيحة، وفيها تفصيلات كثيرة مهمَّة.

المصدر
موقع قصة الإسلام

تعبد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء

تحبيب الخلاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم
تقول عائشة رضي الله عنها: “ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ”.
صياغة عائشة رضي الله عنها تُوحي أن تحبيب الخلاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بعد الرؤيا الصادقة، التي كانت قبل البعثة بشهور ستة؛ بينما في رواية ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم كان يُجاور -أي يعتكف- في غار حراء في شهر رمضان من كل سنة، فكان يختلي في غار حراء قبل الرؤيا الصادقة، فكيف الجمع بينهما؟
غالب الأمر أنه صلى الله عليه وسلم كان بالفعل يختلي في غار حراء بنفسه شهرًا في السنة لعدَّة سنوات قبل البعثة، وليس عندنا دليل ثابت يُحَدِّد عدد هذه السنوات، ويبدو أنه كان يأخذ معه طعامًا كثيرًا يعطي منه للمساكين الذين يذهبون إليه في هذا المكان البعيد فيتصدَّق عليهم؛ ونلحظ هذا في رواية عبيد بن عمير في ابن إسحاق حين قال: “فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُجَاوِرُ ذَلِكَ الشَّهْرَ مِنْ كُلَّ سَنَةٍ يُطْعِمُ مَنْ جَاءَهُ مِنَ الْمَسَاكِينِ”.
لكن في الشهور الستة الأخيرة حُبِّب إليه الخلاء كما تقول عائشة رضي الله عنها، وهذا يحتمل أمرين:

• الأول فهو أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم الآن مشتاقًا إلى الخلاء، محبًّا له، وكان قبل ذلك في مرحلة سابقة؛ وكأنه يدفع نفسه إليه، للتفكُّر في الله، وكيفية عبادته، أمَّا الآن في هذه المرحلة فقد صار محبًّا للخلاء، باحثًا عنه؛ ونحن في مراحلنا الإيمانية قد نمرُّ بمثل هذا، فقد نفعل عبادةً ما كالصلاة أو الصيام أو النفقة أو العمرة فقط لأن الله أمرنا بها، فهي بالنسبة إلينا كواجب يتحتَّم علينا فعله، ولكننا قد ننتقل إلى مرحلة إيمانية أخرى نشعر فيها بالحبِّ الشديد لهذه العبادة؛ حتى إننا ننتظر وقتها بفارغ الصبر، فهذا هو ما نقصده عند حديثنا عن حبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم للخلاء في المرحلتين، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الحبَّ كان مخالفًا لأعراف الناس وطبيعتهم، فلم يكن هناك مَنْ يفعل ذلك من أهل مكة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصة وأنَّ المكان الذي اختاره موحش وقفر ومخيف، وقد اشتُهِر في العرب أمر الجن والشياطين؛ فكانت هذه الأماكن البعيدة أماكن مرعبة لكل أهل مكة بشكل عام، هذا بالإضافة إلى أن الباحث عن الحقيقة لا يذهب عادة إلى مثل هذه الأماكن، بل يذهب إلى أهل العلم؛ ولكن هذا لم يحدث مع رسولنا صلى الله عليه وسلم، فلم يذهب إلى ورقة بن نوفل، أو زيد بن عمرو، أو غيرهم ممن يتكلمون في أمور العبودية لله عز وجل؛ فكل هذا يُبَيِّن أنَّ رسولنا صلى الله عليه وسلم عندما ذهب إلى غار حراء ذهب ليعتكف مخالفًا بذلك طرق الناس وأعرافهم، وهذا الذي تحمله كلمة عائشة رضي الله عنها: “حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ”. أي أنَّ الله عز وجل حَبَّب إليه أمرًا لا يحبُّه الناس في المعتاد.
• الثاني فقد يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد ازداد حبًّا في الخلاء؛ حتى لم يَعُدْ يفعله في شهر رمضان فقط؛ إنما فعله عدَّة شهور من الشهور الستة السابقة للبعثة، ويُؤيد ذلك قول عائشة رضي الله عنها: “ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا”، ثم قالت: “حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ”، فمعنى هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في فترة الرؤيا الصالحة كلها -أي في كل الشهور الستة- يُكرِّر العودة إلى غار حراء للخلاء، وأن هذا استمر حتى لحظة مقابلة الملك. ويُحتمل الأمران معًا.

السؤال هنا: ماذا كان يفعل صلى الله عليه وسلم في هذه الخلوة؟
تقول عائشة رضي الله عنها: “فيتحنَّث”. ثم يفسر ابن شهاب الزهري رحمه الله -على الأغلب- هذه الكلمة بقوله: وهو التعبد، وبعض العلماء ينسب هذا التفسير إلى عائشة رضي الله عنها، التحنث الذي وصفته عائشة رضي الله كان لأن رسولنا صلى الله عليه وسلم أُبغض الأصنام، وأُدرك أنها ليست الطريقة السليمة للوصول إلى الله عز وجل، وظهر هذا البغض للأصنام في قصص وروايات كثيرة منها موقفه مع زيد بن حارثة رضي الله عنه، وكان هذا قبل البعثة.
عن زيد بن حارثة رضي الله عنه قال: “وَكَانَ صَنَمَانِ مِنْ نُحَاسٍ يُقَالُ لَهُمَا: إِسَافُ وَنَائِلَةُ. فَطَافَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم -أي بالكعبة- وَطُفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا مَرَرْتُ مَسَحْتُ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “لاَ تَمَسَّهُ”. وَطُفْنَا فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لأَمَسَّنَّهُ أَنْظُرُ مَا يَقُولُ. فَمَسَحْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “لاَ تَمَسَّهُ أَلَمْ تُنْهَ؟” قَالَ: فَوَالَّذِي أَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ مَا اسْتَلَمَ صَنَمًا حَتَّى أَكْرَمَهُ بِالَّذِي أَكْرَمَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ”.
كان صلى الله عليه وسلم يذهب إلى الغار يتفكَّر في خالق هذا الكون؛ لكنه لم يكن يعرف على وجه الحقيقة كيف يعبده، ولا على أي شريعة، ولعلَّ هذا هو أحد المعاني في قوله عز وجل: {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى} [الضحى: 7]، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرف أن الكون له خالق وله ربٌّ، لكن لم يكن يعرف على أي شريعة يعبده، وبأي طريقة يتقرَّب إليه، خاصة أن شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام الصحيحة كانت قد اندثرت في معظمها عبر السنين.
والحق أنه من العجيب أن رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يبحث في شرائع النصرانية عند ورقة بن نوفل، ولم يبحث في عقيدة الحنيفية عند زيد بن عمرو بن نفيل، ولم يبحث في شرائع اليهود عند يهود يثرب، وبها أخواله صلى الله عليه وسلم، وكان من الممكن أن يُسافر إلى هذه البلاد ليسمع منهم، فأنا أرى أن هذا من حِفْظِ الله تعالى له؛ حتى لا يقال: إنه نقل عنهم. كما أن عقيدتهم شابها التحريف الشديد؛ ولذلك أراد الله سبحانه أن يحفظ رسوله من هذا التحريف، وأبقاه في غار حراء هذه الفترة يتفكَّر في خالق الكون دون أن يُفَكِّر في سؤال هذه الطوائف عن عقيدتها.

تفكر رسول الله في غار حراء
كان صلى الله عليه وسلم من هذا المكان في غار حراء يُشاهد الكعبة؛ ذلك البيت المقدَّس الذي يعلم -كما يعلم كل العرب- أنه بيت الله الحرام، وأن له مكانة عند الله وحرمة لا يُدانيها أي مكان آخر في الدنيا؛ ولعلَّ هذا هو السرُّ من وراء اختيار غار حراء تحديدًا؛ لأن الذي يجلس في هذا الغار -وإن كان بعيدًا عن مكة بدرجة كبيرة- يستطيع أن يرى بوضوح بيت الله الحرام من هذا المكان النائي.
ولعلَّ رسولنا صلى الله عليه وسلم كان يتفكَّر أيضًا في هذا الغار في طريقة إصلاح هذا المجتمع الفاسد، الذي انتشرت فيه عادات قبيحة كثيرة؛ كان من أهمها السجود للأصنام من دون الله عز وجل، وكذلك طغت كثير من العادات القبيحة على معاملات الناس، فظهر الظلم، والجور، والإباحية، وشرب الخمور، وإهانة طوائف كثيرة من طوائف المجتمع الضعيفة.
ومع أن هذا الاختلاء كان يُريح نفس الرسول صلى الله عليه وسلم من الواقع البغيض الذي كانت تعيشه مكة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل ذلك طوال السنة؛ إنما كان يفعله في أوقات معينة، وكما تقول الروايات أنه كان يختلي بنفسه شهرًا في السنة، وهو شهر رمضان، وبعد البعثة لم يَعُدِ الرسول صلى الله عليه وسلم يختلي في غار حراء؛ ولكنه عاد إلى هذا الاختلاء بشكل مخفَّف في المدينة عندما بدأ سُنَّة الاعتكاف، وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف عشرة أيام في شهر رمضان من كل سنة، أحيانًا تكون العشرة الوسطى، وأحيانًا تكون العشرة الأخير، وأحيانًا أخرى أجلَّها إلى شوال فاعتكف عشرة أيام في شوال.

المصدر
موقع قصة الإسلام