أبو هريرة – رضى الله عنه

كان اسمه في الجاهلية عبد شمس، ولما أسلم سماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عبد الرحمن، ولقد كان عطوفا على الحيوان، وكانت له هرة، يرعاها ويطعمها وينظفها وتلازمه فدعي أبا هريرة.

نشأته وإسلامه
قدم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- سنة سبع للهجرة وهو بخيبر وأسلم، ومنذ رأى الرسول الكريم لم يفارقه لحظة، وأصبح من العابدين الأوابين، يتناوب مع زوجته وابنته قيام الليل كله، فيقوم هو ثلثه، وتقوم زوجته ثلثه، وتقوم ابنته ثلثه، وهكذا لا تمر من الليل ساعة إلا وفي بيت أبي هريرة عبادة وذكر وصلاة.

إمارته للبحرين
عاش -رضي الله عنه- عابدا ومجاهدا، لا يتخلف عن غزوة ولا عن طاعة، وفي خلافة عمر -رضي الله عنه- ولاه إمارة البحرين، وكان عمر -رضي الله عنه- إذا ولى أحدا الخلافة راقب ماله، فإذا زاد ثراءه ساءله عنه وحاسبه، وهذا ما حدث مع أبي هريرة، فقد ادخر مالا حلالا له، وعلم عمر بذلك فأرسل في طلبه، يقول أبو هريرة: “قال لي عمر يا عدو الله، وعدو كتابه، أسرقت مال الله؟، قلت: ما أنا بعدو لله ولا عدو لكتابه لكني عدو من عاداهما، ولا أنا من يسرق مال الله. قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة ألاف؟، قلت: خيل لي تناسلت، وعطايا تلاحقت. قال عمر: فادفعها إلى بيت مال المسلمين، ودفع أبو هريرة المال إلى عمر ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم اغفر لأمير المؤمنين. وبعد حين دعا عمر أبا هريرة، وعرض عليه الولاية من جديد، فأباها واعتذر عنها، وعندما سأله عمر عن السبب قال: حتى لا يشتم عرضي، ويؤخذ مالي، ويضرب ظهري. ثم قال: وأخاف أن أقضي بغير علم، وأقول بغير حلم”.

سرعة الحفظ وقوة الذاكرة
إن أبطال الحروب من الصحابة كثيرون، والفقهاء والدعاة والمعلمون كثيرون، ولكن كان هناك قلة من الكتاب، ولم يكونوا متفرغين لتدوين كل ما يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وعندما أسلم أبو هريرة لم يملك أرض يزرعها أو تجارة يتبعها، وإنما يملك موهبة تكمن في ذاكرته، فهو سريع الحفظ قوي الذاكرة، فعزم على تعويض ما فاته بأن يأخذ على عاتقه حفظ هذا التراث وينقله إلى الأجيال القادمة.
يقول رضي الله عنه: “إنكم لتقولون أكثر أبوهريرة في حديثه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتقولون أن المهاجرين الذين سبقوه إلى الاسلام لا يحدثون هذه الأحاديث، ألا إن أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم بالسوق، وأن أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضهم، وإني كنت امرؤا مسكينا، أكثر مجالسة رسول الله، فأحضر إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حدثنا يوما فقال: “من يبسط رداءه حتى يفرغ من حديثي ثم يقبضه إليه فلا ينسى شيئا كان قد سمعه مني” فبسطت ثوبي فحدثني ثم ضممته إلي فوالله ما كنت نسيت شيئا سمعته منه، وأيم الله لولا أية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدا، هي: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}” [البقرة 159].

وفاته
عندما كان يعوده المسلمين داعيين له بالشفاء، كان أبو هريرة شديد الشوق إلى لقاء الله ويقول: “اللهم إني أحب لقاءك، فأحب لقائي”, وعن ثماني وسبعين سنة مات في العام التاسع والخمسين للهجرة.

المصدر
طريق الإيمان

الشورى في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه – الجزء الثالث

الشورى في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه – الجزء الثالث
لقد شعر المسلمون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بالحاجة إلى رئيس يحفظ كيان الأمة الجديدة ويوجهه حيث ورد أنهم “كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة”. وكما قال أبو بكر مخاطباً المسلمين “لابد لكم من رجلٍ يلي أمركم ويصلي بكم ويقاتل عدوكم”, فكانت الضرورة ملحة لانتخاب خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبأسرع وقت ممكن ليدير شئون الأمة الإسلامية ويجمع كلمتها.

ولابد من أن نشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعهد بالخلافة لأحد من بعده, وخير دليل إلى ذلك إسراع المهاجرين والأنصار إلى انتخاب خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك قول عمر بن الخطاب “فان استخلف فقد استخلف من هو خير منى وان اترك فقد ترك من هو خير منى”.

وقد ورد عن على بن أبى طالب قوله: “لو عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً لأنفذنا عهده, ولو قال لنا قولاً لجادلنا عليه حتى نموت”. فيبدو أن الرسول صلى الله عليه وسلم ربي أصحابه على مبادئ الشورى ورسخها في نفوسهم فتركهم مؤهلين لاستخلاف من يريدون. لقد انعزل الأنصار بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة إلى سقيفة بني ساعدة, وكان عموم الأوس والخزرج يريدون مبايعة سعد بن عبادة, ولما بلغ المهاجرين مجمع الأنصار المذكور “بلغ أبا بكر وعمر المهاجرون فاتوا مسرعين”، فاحتج المهاجرون بقرابة الرسول صلى الله عليه وسلم منهم فقالوا “يا معشر الأنصار منا رسول الله فنحن أحق بمقامه”، وقالت الأنصار “منا أمير ومنكم أمير”، فقال أبو بكر: “منا الأمراء وانتم الوزراء, لا نختار دونكم بمشورة ولا نقضى دونكم الأمور”، وقال أيضاً “ولكن قريشاً أولى بمحمد منكم”.

ثم عرض عليهم عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح “فبايعوا أيهما شئتم” فأبيا عليه وقالا: والله ما كنا لنقدمك وأنت صاحب رسول الله وثاني اثنين, فضرب أبو عبيدة على يد أبى بكر وثنى عمر ثم بايع من كان معه من قريش ثم نادى أبو عبيدة “يا معشر الأنصار, لأنكم كنتم أول من نصر فلا تكونوا أول من غير وبدل”، ثم تكلم عبد الرحمن بن عوف فقال “يا معشر الأنصار إنكم وان كنتم على فضل فليس فيكم مثل أبى بكر وعمر وعلى”.

فنهض الأوس والخزرج يبايعون أبا بكر الصديق ولم يتخلف من الأنصار أحد, وكانت هذه البيعة الخاصة, أما البيعة العامة فكانت في المسجد حيث جلس أبو بكر الصديق وأقبل الناس عليه، مهاجرين وأنصار يبايعون.

ونلاحظ في بيعة أبى بكر الصديق رضي الله عنه ما يلي:

• أخذ المسلمين بنظر الاعتبار فضله وسبقه في الإسلام ومكانته عند الرسول صلى الله عليه وسلم حيث انه ثاني اثنين إذ هما في الغار, وهو الذي أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بإمامة المسلمين في الصلاة أيام مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه.

• بلغت أعلى درجات الانتخاب الحر والشورى، فلما تمت البيعة لأبى بكر أقام ثلاثة أيام يقيل الناس ويستقيلهم, يقول قد أقلتكم من بيعتي هل من كاره, هل من مبغض, فيقوم على في أول الناس فيقول والله لا نقيلك ولا نستقيلك أبداً, قد قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لتوحيد ديننا من ذا الذي يؤخرك لتوحيد دنيانا.

• ويظهر التقليد القبلي في بيعة أبى بكر من قول عمر بن الخطاب: “من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته”، وقول أبى بكر أيضاً “نحن أوسع العرب انساباً, ليس قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة”.

• وتظهر الشورى جلياً في إسراع الصحابة المهاجرين والأنصار على مبايعة أبى بكر الصديق على الخلافة وعدم تخلف احد منهم حيث رأوه أهلاً للخلافة وأحق بها, ثم جلوس أبي بكر بعد مبايعته ثلاثة أيام “يقيل الناس ويستقيلهم فيقول قد أقلتكم من بيعتي هل من كاره”، ليؤكد الشورى والانتخاب الحر في انتخابه وبيعته, ثم قوله مخاطباً المسلمين بعد بيعته “فإن أحسنت فأعينوني وان أسأت فقوموني”، يعكس التزامه بمبدأ الشورى في سياسته.

• ثم ظهور البيعة يعكس بشكل أو بآخر التزام المسلمين بالشورى فكانت البيعة هي العهد على الطاعة, ولم يكن هناك أي نوع من الإكراه في مبايعة أبى بكر الصديق بل بايعه الجميع في رضي وسرور، وسمي أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانت مهمته خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به.

مما تقدم يتضح دور الشورى في انتخاب الخليفة الأول أبى بكر الصديق رضي الله عنه, ونجد مظاهر الشورى واضحة في سياسة الخليفة الصديق, بل كان له اقرب من مجلس استشاري يتألف من كبار الصحابة مثل عمر بن الخطاب, على بن ابى طالب, عثمان بن عفان, عبد الرحمن بن عوف, سعد بن أبى وقاص, أبي عبيدة بن الجراح, وبعض الأنصار مثل زيد بن ثابت يعرض عليهم قضايا الدولة الإدارية والسياسية والعسكرية, وكان المسجد النبوي في المدينة هو مكان اجتماعهم

وأحياناً يقتصر الشورى على البعض منهم وربما بادر بعضهم إلى تقديم المشورة والرأي دون طلب من الخليفة. روى ابن سعد “لما ولي أبو بكر رضي الله عنه قال أصحابه اقرضوا لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يغنيه عن برديه إذا اخلقهما وضعهما واخذ مثلهما, وظهره إذا سافر ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف, فقال أبو بكر رضينا”, وبذلك كان للشورى اثر في إقرار المخصصات المالية وراتب من يتولى الخلافة.

المصدر
موقع التاريخ