التعريف بخاتم الأنبياء محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم – الجزء الرابع

فضله صلى الله عليه وسلم
قال صلى الله عليه وسلم: “أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس كافة” [متفق عليه]. وعند مسلم: “أنا أول الناس يشفع يوم القيامة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة”. وفي رواية: “أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشقُّ عنه القبر، وأول شافع وأول مُشفع”.

عبادته ومعيشته صلى الله عليه وسلم
قالت عائشة رضي الله عنها: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تتفطر قدماه، فقيل له في ذلك، فقال: “أفلا أكون عبداً شكوراً” [متفق عليه]، وقالت: وكان مضجعه الذي ينام عليه في الليل من أَدَمَ محشوّاً ليفاً!! وفي حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظلُّ اليوم يَلتَوي ما يجد دِقْلاً يملأ بطنه – والدقل ردئ التمر-!! ما ضره من الدنيا ما فات وهو سيد الأحياء والأموات، فالحمد لله الذي جعلنا من أمته، ووفقنا الله لطاعته، وحشرنا على كتابه وسنته آمين، آمين.

من أهم الأحداث
• الإسراء والمعراج: وكان قبل الهجرة بثلاث سنين وفيه فرضت الصلاة.
• السنة الأولى: الهجرة – بناء المسجد – الانطلاق نحو تأسيس الدولة – فرض الزكاة.
• السنة الثانية: غزوة بدر الكبرى وفيها أعز الله المؤمنين ونصرهم على عدوهم.
• السنة الثالثة: غزوة أحد وفيها حدثت الهزيمة بسبب مخالفة تعليمات النبي صلى الله عليه وسلم ونظر الجنود إلى الغنائم.
• السنة الرابعة: غزوة بني النضير وفيها أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود بني النضير عن المدينة لأنهم نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين.
• السنة الخامسة: غزوة بني المصطلق وغزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة.
• السنة السادسة: صلح الحديبية، وفي هذه السنة حُرّمت الخمر تحريماً قاطعاً.
• السنة السابعة: غزوة خيبر، وفي هذه السنة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون مكة واعتمروا، وفيها أيضاً تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حُيَيّ.
• السنة الثامنة: غزوة مؤتة بين المسلمين والروم، وفتح مكة وغزوة حُنين ضد قبائل هوازن وثقيف.
• السنة التاسعة: غزوة تبوك وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم ، وفي هذه السنة قدمت الوفود على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وسمي هذا العام عام الوفود.
• السنة العاشرة: حجة الوداع، و حج فيها مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة ألف مسلم.
• السنة الحادية عشرة: وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذلك في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول مع اختلاف في تحديد هذا اليوم من الشهر. وتوفي صلى الله عليه وسلم وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها أربعون سنة قبل النبوة، وثلاث وعشرون سنة نبياً رسولاً، منها ثلاث عشرة سنة في مكة، وعشر سنين بالمدينة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

المصدر
موقع قصة الإسلام

تبوك آخر الغزوات وأول الفتوحات – الجزء الثالث

الحوار أكثر من القتال
ولعل الصلح مع دومة الجندل يؤشر إلى ما توخاه الرسول من غزوته التي بدا أنها ترمي إلى تحقيق مصالحات مماثلة، تؤمن له الاستقطاب، عبر الحوار أكثر من القتال، لعدد من القبائل، فإن لم تنخرط في دعوته، اكتنهت بعض قيمها، آخذًا في الاعتبار ما يجمعها من جذور مشتركة مع المسلمين. وفي ضوء ذلك كانت تبوك نقطة انطلاق إلى رؤساء القبائل العربية من حولها، حيث وجّه كتبه الداعية إلى نبذ عبادة الأصنام والانضواء في عقيدة قومهم. كما كان لنزوله في تبوك صدى لدى التجمعات القبلية القريبة منها، فما لبث أن قدم إليه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة (على ساحل بحر القلزم)، فصالحه الرسول على أن يؤدي الجزية، وذلك مقابل عهد «بألا يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقًا يريدونه..» حسب رواية الواقدي.

وعلى نحو ما نهج عليه الرسول في دومة وأيلة، عقد صلحًا مع تيماء (على ثماني مراحل من المدينة)، وجرباء وأذرح (قريتان في الشام)، ومقنا (قرب أيلة)، وفاق عهد بالأمان على أنفسهم وتجاراتهم، مقابل الجزية، استنادًا إلى رواية الواقدي الذي توسع في تفاصيل هذه العهود، مضيفًا في هذا السياق أن «نفرًا من بني سعد قدموا على الرسول (في مقره)، وكانوا يعانون شح بئرهم وقد اشتد عليهم القيظ، فطلبوا أن يدعو لهم في بئرهم».

ولعل ما يمكن استخلاصه من ذلك، أحد أمرين: إما أن بني سعد كانوا على عقيدة الإسلام، وإما أنهم تأثروا بالأفكار التي تداعت إليهم خلال مقام الرسول في تبوك، وتواصله الحواري مع القبائل المنتشرة حول الأخيرة، مما يرجح بأن ثمة تغيرًا بدأ يسود المنطقة، أو على الأقل بدأت ترهص به، من خلال احتكاكها بالسرايا السالفة، حيث راكمت حضورًا ما للإسلام. فجاءت غزوة تبوك تعمق هذا الحضور لدى القبائل التخومية، المبهورة حينذاك بشخصية الرسول، وقد رأت فيه من سمو الخلق وارتقاء السلوك القيمي، ما لم تعهد مثلهما من قبل.

ولعل ما يمكن استنتاجه من هذه المعاهدات، أن الرسول بعد فتح مكة، أصبح في موقع المبادر الذي يُمسك بزمام التوقيت، فضلاً عن تعزيز قوته العسكرية، مقارنةً بما كانت عليه إبان سرية مؤتة، التي ظلت في هواجسه، وما برحت تستثيره ذكرياتها، لاسيما المتصلة بالشهداء الثلاثة الكبار الذين سقطوا على أرضها. ومن هذا المنظور كانت تبوك في صميم سياساته الشامية، التي عبّرت عنها سرية مؤتة بصورة غير مألوفة في السرايا ذات الأهداف المحدودة في هذا الاتجاه. وإذا كان الرسول قد تجنب الاقتراب من المنطقة التي انتهت إليها السرية السالفة، حيث احتشدت القبائل المعادية في البلقاء، فإن مؤتة لم تغب عن باله وهو في آخر أيامه، عندما جهّز «بعث أسامة» في السنة الحادية عشرة للهجرة، وأوصى الأخير، كما في مروية ابن سعد قائلا: «سر إلى موضع مقتل أبيك (زيد بن حارثة)، فأوطئهم الخيل، فقد ولّيتك هذا الجيش».

غزوة التحديات
والسؤال الآن، هل كانت تبوك ردة فعل على مؤتة، أو مجرد ثأر لشهدائها، كما يبدو في الوصية السالفة؟ وإن صح ذلك، فلا يتعدى جزءًا من الحقيقة وليس كلها، كما أن بعث أسامة لن يكون دقيقًا تقويمه، إلا في سياق المشروع السياسي التوسعي في اتجاه الشام. وما جاء في الوصية إنما يندرج في التحريض على المستوى الشخصي، بما يشكل دفعًا لهذا المشروع واستمرارًا له، كذلك رسالة لمن بعده، بإعطاء الأولوية للشام في سياسات خلفائه.

وهكذا، في غمرة التحولات على جبهة الحجاز وكانت غزوة تبوك استجابة لتحديات ما انفك الرسول منذ العام الهجري السادس، يخوض مواجهة معها. ولم يكن حينئذ ليغامر بذلك العدد الكبير من المسلمين، من دون رصد الأحوال في الشام، مختارًا الوقت والمكان المناسبين. ولذلك سلك طريقًا لا تأخذ به إلى صدام مسلح مع القبائل، أو مع البيزنطيين في تمركزهم البعيد، إذ قرأ جيدًا أبعاد المهمة التي كانت واضحة الهدف، وضوح النتائج التي انتهت إليها. وقد تكون القبائل، حتى المرابطة في البلقاء، تجنبت بدورها الصدام مع الغزوة، بعدما تصادى في وعيها شيء من فكر الإسلام، القادم من بيئة عربية، وربما وجدت فيها ذاتها المصادرة في ظل الحكم البيزنطي.

وقد لا نبتعد عن الحقيقة في قراءتنا لغزوة تبوك بأنها الإطلاقة الأولى لحركة الفتوح الشامية، إذ كانت الهالة التي أحطيت بها، وما أسفرت عنه من تداعيات إيجابية لدى بعض القبائل العربية، قد أرست تراثًا استلهمه الخليفة الأول وأصحابه، ممن شاركوا في الغزوة، متابعين المسيرة دون تهيّب وغير عابئين بمعادلة توازن القوى التي طالما اخترقوها في حروبهم الحجازية. ولا نجافي أيضًا الحقيقة، بأن هذه الغزوة، على الرغم من عدم احتكاكها بالبيزنطيين، فإنها أحدثت ثغرة في نظامهم على ساحة الشام، وعرقلت مشروع هرقل الجديد لغرض السيطرة المباشرة على الأخيرة، بعد اختراقها بجرأة الجبهة القبلية التي كان مطمئنًا إلى انخرطها في نفوذه.

ويبقى أن الإمبراطورية البيزنطية، وهي الأساس امتداد شرقي لإمبراطورية الرومان المتهاوية في الغرب، قد بدأ ينال منها الهرم، نتيجة الصراعات المتفاقمة على السلطة، ولم تنقذها هزيمة هرقل للفرس. وفي هذا الوقت كان الإسلام تترسخ جذوره «دولة» فتية، وقضية مضيئة في عقول المسلمين، وخيار النصر أو الشهادة يتبلور إيمانًا ويقينًا في نفوسهم. فلم يجدوا صعوبة في مطالع العهد الراشدي، في دحر البيزنطيين من الشام، بعد معارك مظفرة، سرعان ما ضوت إليها القبائل العربية، سواء المتعاهدة مع الرسول في تبوك، أو تلك المنتشرة في البلقاء والتي كانت هدفًا مباشرًا لبعث أسامة، وحالت وفاة الرسول دون تحقيق المهمة المعقودة عليها.

المصدر
موقع التاريخ

تبوك آخر الغزوات وأول الفتوحات – الجزء الثاني

سرية مؤتة
لعل نكبة المسلمين في ذات أطلاح، حدت بالرسول إلى تعديل خطته في هذا السياق، بتعزيز عديد السرايا الموجهة إلى أرض الشام. وهذا ما يتأكد في سرية مؤتة (السنة الثامنة) التي حشد لها ثلاثة آلاف مقاتل، وعلى رأسهم زيد بن حارثة قائدًا، ومعه جعفر بن أبي طالب، يحل مكانه إذا قُتل، وعبدالله بن رواحة، تئول إليه القيادة إذا ما قتل الثاني. وكان فيها أيضًا قائد أبلى لاحقًا في حروب الردة والفتوح وهو خالد بن الوليد. هذه السرية كان لها صدى واسع في أدبيات المسلمين، إذ هي تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد غزوة تبوك.

ولكن بقدر ما كانت أهداف الأخيرة واضحة، كان اللبس، أو كثير منه، يحيط بالأولى، سواء في أهدافها أو تداعياتها، وربما طغى عليها برق القادة الثلاثة الذين استشهدوا في معركة مبهمة. وعلى الرغم من إنقاذ خالد بن الوليد السرية من هزيمة محققة، مُنسحبًا مع المقاتلين في الوقت المناسب، فقد رأى فيها الرسول (صلى الله عليه وسلم) انتصارًا، على الأقل، في ما حققته من اختراق لمنطقة بعيدة من أرض الشام. وبات لشدة منافحته عن هذه السرية، وكأنه من شهودها، مستبرًا أبعادًا وأهمية نتائجها، حتى إن بعض الإخباريين أدرجوها بين الغزوات التي اصطلح أن تكون بقيادته. وقد تبنى هذا التقييم ابن كثير في وصفه لسرية مؤتة، بأن «هذه الغزوة كانت إرهاصًا لما بعدها من غزو الروم وإرهابًا لأعداء رسول الله».

ومن هذا المنظور نكتنه المغزى البعيد لسرية مؤتة، في أنها لم تنعكس إحباطًا على المدينة أو تعثرًا لمشروع الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وإنما كانت الحافز للاستمرار في النهج، عندما انطلقت مباشرة بعدها حملة ذات السلاسل (على مسافة عشرة أيام من المدينة). ويلتبس الأمر إذا كانت هذه غزوة أو سرية، حيث ترد الأولى في «مغازي» الواقدي، والثانية في «غزوات» ابن سعد، ولكن الراجح، بل المؤكد ما جاء في الأخيرة، بدليل أن الواقدي نفسه روى عن وصول أنبار للرسول، بأن جمعًا من بلي وقضاعة قد تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا عمرو بن العاص وبعثه في سراة المهاجرين والأنصار.

ولعل دوافع اختياره له، ارتباطه بصلة قربى مع بلي، مما يعزز الرأي بأن الرسول كان لايزال يجد في قبائل التخوم مدخلاً إلى الشام، دابئًا على محاولة استئلافهم» – كما ورد في سيرة ابن هشام – أو على الأقل استثارة عصبيتهم العربية على حساب ولائهم البيزنطي.

في السنة الثامنة للهجرة، كانت سيادة المدينة تترسخ في الحجاز وعلى تخومه، فارضة نفسها قوة رئيسة في شبه جزيرة العرب، التي أخذت قبائلها، تدريجيًا، تتحلل من ارتباطاتها بقريش التي عانت عزلة بعد صلح الحديبية، ولم تعد تملك ما يكفي من مقومات الصمود. كذلك مكة لم تعد بحاجة إلى عملية عسكرية لتأكيد سقوطها، فقد تم اتفاق حينئذ بين كبير تجارها أبي سفيان، وبين المدينة من خلال الدور الذي تولاه في هذا الصدد، العباس عم الرسول، وكان قد أعلن إسلامه قبيل ذلك، ممهدًا للدخول السلمي إليها، فكانت الحملة التي قادها الرسول أشبه بتظاهرة للإسلام المنتصر على الوثنية. واختصّت مكة بمصطلح جديد هو «الفتح» أو «الفتح المبين» في السياق القرآني، بما يعنيه ذلك من حسم لمصلحة الإسلام في الحجاز.

ولكن مكة لم «تسقط»، حيث انبثقت منها الدعوة، وإليها ينتمي الرسول (صلى الله عليه وسلم) والمهاجرون، وفيها الكعبة، حيث أقام صرحها النبي إبراهيم، مبشرًا بعقيدته التوحيدية (الحنفية) التي انطلق من جذورها الإسلام، وإنما قريش الوثنية المعادية للرسول ودعوته، سقطت وزال نفوذها، إلا أن الرسول كان متسامحًا معها، واتخذ حاضرتها المركز الروحي للإسلام، فيما المدينة التي آزرته في الشدائد، كانت أكثر مواءمة لتكون المركز السياسي والإداري لدولته الصاعدة.

الحرب الأخيرة
وبفتح مكة دخل الإسلام في منعطف جديد، وكان توحيد القبائل العربية في إطاره ما شغل حينئذ الرسول (صلى الله عليه وسلم)، لاسيما تلك المقيمة في الشام، من دون أن يكون ذلك منفصلاً عن موقفه من البيزنطيين أسياد المنطقة. ولعل في مغازي الواقدي ما يشي بهذه الهواجس، إذ ورد في إحدى مروياته: «كانت أخبار الشام عند المسلمين كل يوم لكثرة من يقدم عليهم من الأنباط، فقدمت قادمة، فذكروا أن الروم جمعت جموعًا كبيرة بالشام، وأن «هرقل» قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لخم وجذام وغسان وعاملة، وزحفوا وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء وعسكروا بها، وتخلف هرقل بحمص».

ولعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) في المقابل لم يكن في ذهنه إعلان الحرب على البيزنطيين، وإن كان هؤلاء في صميم مشروعه، ولكن عندما تكتمل الشروط لفتح هذه الجبهة الصعبة، مع العلم بأنه في الأدبيات المنسوبة له، كان واضحًا فيها أن الهدف المحوري، ليس فقط تحرير القبائل العربية من الهيمنة البيزنطية، وإنما تحرير الشام من هذه الأخيرة، وذلك بما يمهد لانتشار الإسلام، تعبيرًا عن طبيعة الدعوة في نطاقها العالمي. وإذا كان أحد لا يدرك حينئذ ما دار في خلد الرسول، فإن المرويات التاريخية ليست دائمًا مما يحسم مثل هذه المسألة، خصوصًا أنها تواترت شفاهًا لوقت طويل بعد غزوة تبوك، والمؤرخ من خلال شكوكه المشروعة، لا يرى حرجًا في النقد، مستندًا إلى مرجعية يتآزح فيها العقل مع الرواية في مقاربة الحقيقة التاريخية.
لعل البيزنطيين كعادتهم، استخدموا القبائل العربية لصد أي محاولة لاختراق مواقعهم في الشام، إلا أن الرسول وقد اتخذ قراره بصدد ما عرف بغزوة تبوك، بعد فترة تأمل دامت بضعة شهور، لم يتنه عنه ما تناهى إليه عن حشود للقبائل، أو حتى للبيزنطيين. خلافًا لذلك دعا إلى التعبئة العامة في المدينة، كما «بعث إلى قبائل العرب يستنفرهم» حسب رواية ابن سعد، مراعيًا التوقيت المناسب وذلك «في زمان من عسرة الناس وشدة الحر وجدب من البلاد»، وفقًا لما ورد في سيرة ابن هشام.

أما عن عديد الغزوة، فقد توافقت الروايات على أنه بلغ ثلاثين ألفًا وعشرة آلاف فرس، وفي ذلك دلالة على أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ربما كان متحسبًا لصدام مع البيزنطيين، وليس فقط لحشود القبائل في البلقاء. ولكن الأرقام لا تخلو عادة من مبالغات، متسائلين إذا كان في وسع المدينة تجنيد مثل هذه القوة الكبيرة، أو تملك القدرة على مواجهة القبائل والبيزنطيين معًا. بيد أنه من المؤكد أن الغزوة ضمت حشدًا كبيرًا من المسلمين، لا يُقاس عددًا بما حوته الحملات السابقة. وكان ذلك يحتاج إلى تمويل تصدى له عدد من الصحابة، ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة بن عبيدالله من المهاجرين، وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة من الأنصار.
وليس ثمة شك أن التعبئة الواسعة للجهاد، قد أشاعت مناخًا استثار مواجد المسلمين واستفز حماستهم للتضحية، ليس بالمال فحسب، بل بالأنفس التواقة إلى الشهادة في موكب الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فهي غزوة عنوانها الجهاد بما للكلمة من خصوصية في الإسلام. فكان نداء الرسول: «قدّموا القرآن» يتصادى في الآذان، مؤكدًا على المنحى الرسالي للغزوة التي يمكن اعتبارها من هذا المنظور أول «الفتوح» في الإسلام.

والواقع أن الروايات لم تُشر إلى تفاصيل دقيقة عن مسيرة الحملة الكبيرة، سوى ما كان من توسع لدى الواقدي في أحداث أقرب إلى القصص التاريخي، كما لم تأت على ذكر أي تصد لها قبل بلوغ تبوك. وإذا كان من تفسير لذلك، فهذا يعني أنها لم تقترب من مواقع الخطر، وربما استهدفت مواقع قبائل غير متورطة مباشرة في الموقف البيزنطي، وهو ما سيتبين لاحقًا في المعاهدات التي أسفرت الغزوة عنها. ولعل المرويات افتقدت تفاصيل كافية عن مسيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى تبوك، إذ كان التركيز على ما بعد نزوله في الأخيرة، كما لم تحدد – شأن السرايا والغزوات السالفة – توقيت وصوله، أو مجال حركته في المنطقة، سوى أنه أقام عشرين ليلة فيها، ما انفك خلالها، موجهًا ومرشدًا، وخطيبًا يتصادى كلامه مع اللحظة التاريخية: «إن أصدق الحديث كتاب الله وأوثق القول كلمة التقوى، وأشرف القتل قتل الشهادة..»، إلى آخر ما ورد في الخطاب – الوصية، متضمنًا أفكارًا قيمية عن المغزى الذي تمثله الحملة في بنيان حركة الإسلام. إلى ذلك، فقد أرسى نواة مسجد أقام الصلاة فيه، وقيل إن آيات من القرآن نزلت عليه في تبوك، وهي تحمل إشارات إلى التحريض على الجهاد والتحذير من المنافقين، ووضع المسلمين بين خياري الغنيمة (بمعنى النصر) والشهادة.

وكان الرسول أثناء مقامه في تبوك قد وجه خالد بن الوليد في أربعمائة فارس إلى دومة الجندل التي سبق لعبدالرحمن بن عوف أن قاد سرية إليها قبل سنوات ثلاث، إلا أن موقف ملكها المسالم حينذاك، أصبح مغايرًا أمام خالد، وما لبث أن خرج مقاتلاً من حصنه، ومعه أخ له يدعى حسان. ولكن لم يطل الوقت حتى استسلم، فيما قُتل أخوه بعد إصراره على الحرب.

وانتهى الأمر – حسب رواية ابن سعد – إلا أن خالدًا أجار الملك (أكيدر) «من القتل حتى يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن يفتح له دومة الجندل ففعل ذلك وصالحه».

وعلى الرغم من خضوع «الملك» وما قدمه من ضريبة باهظة للمسلمين، فإن ذلك لم يكن فتحًا حقيقيًا للحصن، ربما لأن الرسول لم يكن في خطته القيام بعمليات توسعية، في وقت كانت تنتشر من حوله تجمعات القبائل المعادية، فيما هرقل لايزال مرابطًا في حمص.

المصدر
موقع التاريخ

تبوك آخر الغزوات وأول الفتوحات – الجزء الأول

كانت الشام خاضعة للبيزنطيين، أو الروم في الأدبيات العربية. ومنذ وقت غير محدد نزلت فيها مجموعات قبلية، في سياق الهجرات القادمة من اليمن، بعد اختلال أوضاعه السياسية والاقتصادية، مثل جذام ولخم وبلقين وبهراء وبلّي، فضلاً عن الأزد التي تحدر منها الغساسنة الأقوى حضورًا في الشام، بعدما اتخذهم البيزنطيون «حاجزًا» بينهم وبين مناطق النفوذ الفارسي إلى جانب التصدي للغزوات القبلية من الجنوب.

في هذا الوقت، كانت مكة وسط مثلث تجاري، شكلت عقدة مواصلاته ما بين الشام واليمن والعراق. ولكن مع ضمور دور الأخير بعد السيطرة المباشرة للفرس على الحيرة (المناذرة)، واستبدالهم ببني لخم أمراء الأخيرة، أميرًا من طيء، ومن قبل توغل الأحباش في اليمن حتى مكة التي صدوا عنها في عام الفيل (570م) اهتزت حينئذ منظومة «الإيلاف» بما فيها رحلتا الشتاء والصيف إلى اليمن والشام، لتصبح الأخيرة محور التجارة القرشية، وطريقها، الشريان الحيوي لقوافلها. ولذلك، فإن السرايا الأولى التي بثها الرسول حول المدينة، كان الهدف منها إرباك حركة قريش على هذه الطريق وتهديد أمنها التجاري، لاسيما بعد معركة بدر، المؤشر الأول في هذا الاتجاه.

حصار مكة
ولعل «حصار» مكة، رهصت به هذه العمليات التي بدأت استطلاعية، وتطورت إلى أن يتسع مدار حركتها، في محاولة اختراق الأطراف الجنوبية للشام، مهددة قريش في صميم حياتها الاقتصادية. ويمكن أن نضيف أيضًا، أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذي تعرّف الشام صبيًا، وقصدها تاجرًا وهو شاب في إحدى رحلات الصيف، كان يعي أهمية هذه المنطقة في مشروعه الرامي إلى إضعاف قريش، عدا تطلعاته البعيدة إلى السيطرة على الشام، مما يفسر كتابه إلى هرقل، بعد شعوره بأن الحسم بات وشيكًا في الحجاز، مع علمه بأن مثل هذا «الكتاب» لن يغيّر في معتقد الإمبراطور، المنتصر لتوه على الفرس في حرب شبه صليبية.

ولكن دلالته كانت واضحة في تحذيره – كما جاء في الكتاب – من الإساءة لـ «الأكاريين» العرب، كما كانت واضحة في الحملات التي اقتحمت بجرأة مناطق نفوذه، مما لم يحدث بهذه الوتيرة في السرايا على الجبهات الأخرى.

كانت «حسمى»، السرية الأولى – حسب الواقدي – نحو الشمال، في السنة السادسة للهجرة، وهي – استناداً إلى ياقوت – أرض ببادية الشام. أما أسبابها المباشرة فتعود إلى أن دحية بن خليفة الكلبي، موفد الرسول إلى القيصر البيزنطي، «لقيه ناس من جذام فقطعوا عليه الطريق» (الواقدي). على الرغم من وصوله سالمًا إلى المدينة، فقد انتدب الرسول (صلى الله عليه وسلم) زيد بن حارثة على رأس سرية من خمسمائة رجل، وهي أول سرية تضم مثل هذا العدد من المسلمين، وكانت بمنزلة رسالة إلى القبائل العربية الموالية للبيزنطيين. فأغاروا على جذام وسبوا عددًا كبيرًا منهم وأصابوا غنائم وفيرة، مما حدا بزيد بن رفاعة الجذامي إلى القدوم على المدينة شاكيًا للرسول (صلى الله عليه وسلم) ما حل بقبيلته، فبعث معه عليًا إلى قائد السرية، ناقلاً إليه الأمر «بأن يخلي بينهم وبين حرمهم وأموالهم»، حسب رواية ابن سعد.
وكانت هذه السرية قد نجم عنها أول احتكاك بقبائل الشام، مؤدية غرضها في التواصل المباشر معها، والذي تمثل خصوصًا في قدوم رئيس جذام إلى المدينة، وما لقيه من تسامح لدى الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ترك تأثيرًا في نفسه، ما سيتبين لاحقا في موقف قبيلته الإيجابي إبان غزوة تبوك.

إلى دومة الجندل
وفي السنة عينها (السادسة للهجرة)، انطلقت السرية الثانية إلى دومة الجندل، وهي – كما حددها ياقوت – «حصن بين الشام والمدينة». وتعرف بحصن أكيدر «الملك» الذي ينتهي نسبًا إلى كندة. وعهد الرسول بقيادتها إلى عبدالرحمن بن عوف، فدخلها ومكث فيها أيامًا ثلاثة، حسب رواية الواقدي، يدعو أهلها إلى الإسلام، وقيل إن رئيس «كلب» في دومة، الأصبع بن عمرو استجاب لدعوته، مما يعني – إن صح ذلك – أن هذه السرية غرست بذرة الإسلام في الشام، لاسيما أن «كلبًا» التي ربما تقاسمت النفوذ مع كندة في دومة، أو أنها حلت مكان الأخيرة، تصاعد نفوذها في المنطقة، وإن لم يصل إلى مستوى غسان الأردية، ممهدًا ذلك إلى حملات أكثر أهمية إلهيًا. ولكن يبدو أن «كلبًا» التي ظلت على عقيدتها النصرانية حتى قيام خلافة بني أمية، لم يكن انخراطها جديًا حينذاك في حركة الإسلام، وإن تعاطفت معه بدافع من جذورها العربية. وقد عزز هذه العلاقة، إصهار القبيلة لعبدالرحمن بن عوف، مؤسسة لمصاهرات أخرى كان أشهرها زواج معاوية من ميسون بنت بحدل الكلبي فيما بعد.

وكانت هذه القبيلة (كلب) قد حققت نجاحات في توسيع نفوذها الشامي، خلال الحرب بين الفرس والبيزنطيين في مطالع القرن السابع الميلادي، وتقلص نفوذ بني غسان في أعقابها، لتصبح الأكثر استقطابًا حين طرق الإسلام أبواب الشام في العهد الراشدي.

والسرية الثالثة في هذا السياق الزمني كانت أم قرفة، وقد عرفت بذلك نسبة إلى امرأة حملت هذا الاسم، وهي فاطمة بنت ربيعة بن زيد التي أُسرت خلال هذه السرية، وبدا أن الرسول حينئذ اتخذ مبادرة إلى استخدام طريق الشام لأغراض اقتصادية، وذلك مع «خروج زيد بن حارثة في تجارة إلى الشام ومعه بضائع لأصحاب النبي» حسب رواية الواقدي.

ولكن السرية تعثرت قبل بلوغها وادي القرى، حيث تعرض قائدها لاعتداء من بني فزارة.
والرابعة كانت سرية «ذات أطلاح»، وفي شأنها يقول الواقدي: «بعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام».

وكان ذلك في السنة الثامنة للهجرة التي ستشهد تطورات مثيرة في مسيرة الإسلام، ولكن هذه السرية، كما يبدو من حجمها، لم تكن مؤهلة لعملية حربية، بقدر ما كانت حملة استطلاعية، لوصل ما انقطع من تحركات على هذه الجبهة نحو عامين بعد سرية أم قرفة.

المصدر
موقع التاريخ