فضيلة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله آل باز – رحمه الله تعالى

مولده
ولد في ذي الحجة سنة 1335 هـ بمدينة الرياض, وكان بصيرا, ثم أصابه مرض في عينيه عام 1346 هـ وضعف بصره, ثم فقده عام 1355 هـ.

طلبه للعلم
حفظ القرآن الكريم قبل سن البلوغ, ثم جد في طلب العلم على العلماء في الرياض, ولما برز في العلوم الشرعية واللغة عين في القضاء عام 1357 هـ, ولم ينقطع عن طلب العلم حتى اليوم, حيث لازم البحث والتدريس ليل نهار, ولم تشغله المناصب عن ذلك مما جعله يزداد بصيرة ورسوخا في كثير من العلوم, وقد عني عناية خاصة بالحديث وعلومه حتى أصبح حكمه على الحديث من حيث الصحة والضعف محل اعتبار, وهي درجة قل أن يبلغها أحد, خاصة في هذا العصر, وظهر أثر ذلك على كتاباته وفتواه حيث كان يتخير من الأقوال ما يسنده الدليل.

آثاره
منذ تولى القضاء في مدينة الخرج عام 1357 هـ وهو ملازم للتدريس في حلقات منتظمة, ففي الخرج كانت حلقاته مستمرة أيام الأسبوع عدا يومي الثلاثاء والجمعة, ولديه طلاب متفرغون لطلب العلم.

في عام 1372 هـ انتقل إلى الرياض للتدريس في معهد الرياض العلمي, ثم في كلية الشريعة بعد إنشائها سنة 1373 هـ في علوم الفقه والحديث والتوحيد, إلى أن نقل نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1381 هـ, وقد أسس حلقة التدريس في الجامع الكبير بالرياض منذ انتقل إليها, ولا زالت هذه الحلقة مستمرة إلى يومنا هذا, وإن كانت في السنوات الأخيرة اقتصرت على بعض أيام الأسبوع بسبب كثرة الأعمال, ولازمها كثير من طلبة العلم, وأثناء وجوده بالمدينة المنورة من عام 1381 هـ نائبا لرئيس الجامعة ورئيسا لها من عام 1390 هـ إلى 1395 هـ عقد حلقة للتدريس في المسجد النبوي, ومن الملاحظ أنه إذا انتقل إلى غير مقر إقامته استمرت إقامة الحلقة في المكان الذي ينتقل إليه مثل الطائف أيام الصيف, وقد نفع الله بهذه الحلقات.

مؤلفاته
• مجموع فتاوى ومقالات متنوعة, صدر منه الآن ثلاثة أجزاء وقت تحرير هذه النبذة.
• الفوائد الجلية في المباحث الفرضية.
• التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة (توضيح المناسك).
• التحذير من البدع, ويشتمل على أربع مقالات مفيدة: (حكم الاحتفال بالمولد النبوي, وليلة الإسراء والمعارج, وليلة النصف من شعبان, وتكذيب الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى: الشيخ أحمد).
• رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام.
• العقيدة الصحيحة وما يضادها.
• وجوب العمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفر من أنكرها.
• الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة.
• وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه.
• حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار.
• نقد القومية العربية.
• الجواب المفيد في حكم التصوير.
• الشيخ محمد بن عبد الوهاب, دعوته وسيرته.
• ثلاث رسائل في الصلاة: كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وجوب أداء الصلاة في جماعة، أين يضع المصلي يديه حين الرفع من الركوع؟
• حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن أو في رسول الله صلى الله عليه وسلم .
• حاشية مفيدة على فتح الباري, وصل فيها إلى كتاب الحج.
• رسالة الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب.
• إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين.
• الجهاد في سبيل الله.
• الدروس المهمة لعامة الأمة.
• فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة.
• وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة.
• تحفة الأخيار ببيان جملة نافعة مما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة من الأدعية والأذكار.

ولم يقتصر نشاطه على ما ذكر فقد كان يلقي المحاضرات ويحضر الندوات العلمية ويعلق عليها ويعمر المجالس الخاصة والعامة التي يحضرها بالقراءة والتعليق بالإضافة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أصبح صفة ملازمة له. نفعنا الله بعلمه ووفقه لمزيد العلم النافع والعمل الصالح.

المصدر
موقع صيد الفوائد

اليهود ومؤامراتهم في المدينة

إن عداوة اليهود للنبي عليه الصلاة والسلام لا عجب فيها، فحالهم مع أنبيائهم، فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون، ومن ثَمّ لا غرابة أن يكذبوا ويعادوا ويتطاولوا على رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل ويحاولوا قتله.

أما مواقفهم ومؤامراتهم على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى المسلمين في المدينة فكثيرة، نشير إلى بعضها للاستفادة منها في واقعنا.

إساءة الأدب مع الرسول عليه الصلاة والسلام
كان اليهود يسيئون الأدب مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في حضرته وأثناء خطابه، فكانوا يحيونه بتحية، في باطنها الأذى والحقد عليه عليه الصلاة والسلام ؛ مما يدل على خبثهم وسوء أخلاقهم وبغضهم الشديد لرسول الله عليه الصلاة والسلام .

عن عائشة-رضي الله عنها- قالت: (جاء ناس من اليهود إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالوا: السَّامُ (الموت) عليك يا أبا القاسم. فقلت: السام عليكم، وفعل الله بكم. فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام : «مه يا عائشة؛ فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش».

فقلت: يا رسول الله، ترى ما يقولون؟ فقال: «ألست تريني أرد عليهم ما يقولون وأقول: وعليكم» (رواه البخاري). قالت: فنزلت هذه الآية في ذلك، وهي قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [المجادلة: 8].

تفكيك الجبهة الداخلية للمسلمين
ولقد حاول اليهود-كعادتهم- تصديع وتفكيك الجبهة الداخلية للمسلمين، فهذه إحدى وسائلهم الخبيثة-قديمًا وحديثًا- في حرب الإسلام، وذلك بإثارة الفتن الداخلية، والشعارات الجاهلية، والدعوات القومية والقبلية، والسعي بالدسيسة للوقيعة بين المسلمين.

روى الطبري في تفسيره: أن شاس بن قيس اليهودي، كان عظيم الكفر شديد العداوة للمسلمين، مرّ يومًا على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس يتحدثون، فغاظه ذلك حيث تآلفوا واجتمعوا بعد العداوة، فأمر شابًّا من اليهود أن يجلس إليهم ويذكّرهم يوم بُعاث، وينشدهم ما قيل فيه من الأشعار، وكان يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس، ففعل، فتشاجر القوم وتنازعوا، وقالوا: السلاح السلاح!

فبلغ النبي عليه الصلاة والسلام ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار، فقال: «أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم».

فعرف القوم أنه نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فما كان يوم أقبح أولاً وأحسن آخرًا من ذلك اليوم، وأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99].
ومن خلال هذا الموقف نرى قدرة النبي عليه الصلاة والسلام على إفشال مخطط اليهود الهادف لتفتيت وحدة الصف، وكذلك اهتمامه عليه الصلاة والسلام بأمور المسلمين وإشفاقه عليهم، وفزعه مما يصيبهم من الفتن والمصائب، فقد أسرع إلى الأنصار وذكّرهم بالله، وبيّن لهم أن ما أقدموا عليه من أمر الجاهلية.

وذكّرهم بالإسلام وما أكرمهم الله به من القضاء على الخلاف، وتطهير النفوس من الضغائن، وتأليف القلوب بالإيمان، فمسحت كلماته عليه الصلاة والسلام كل أثر لأمر الجاهلية-بفضل الله تعالى-، فأدركوا أن ما وقعوا فيه كان من وساوس الشيطان وكيد عدوهم من اليهود، فبكوا ندمًا على ما وقعوا فيه وتعانقوا؛ تعبيرًا على وحدتهم ومحبتهم الإيمانية لبعضهم.

المصدر
موقع التاريخ

الشورى في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه – الجزء السادس

عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار المسلمين في تدوين الديوان فقال له على بن أبي طالب تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال ولا تمسك منه شياً, وقال أرى مالاً كثيراً يسع الناس وإن لم تحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ حسبت أن ينتشر الأمر. فقال له الوليد بن هشام قد جئت بالشام فرأيت ملوكها دونوا ديواناً وجندوا جنداً فدون ديواناً وجند جنداً, فاخذ بقوله.

وكان الخليفة عمر بن الخطاب يستشير الصحابة في اختيار العمال والولاة، قال عمر لأصحابه دلوني على رجل استعمله على أمر قد همني, قالوا فلان قال لا حاجة لنا فيه قالوا فمن تريد, قال أريد رجلاً إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم, وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم, قالوا ما نعرف هذه الصفة إلا في الربيع بن زياد الحارثي, قال صدقتم فولاه.

واستشار أصحابه في اتخاذ تقويم وتاريخ خاص بالمسلمين، فقد رفع إلى عمر صك في شعبان فقال أي شعبان؟ الذي هو آت أو الذي نحن فيه؟ ثم قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اصنعوا للناس شيئاً يعرفونه, فقال بعضهم اكتبوا على تاريخ الروم فقيل إنهم يكتبون من عهد ذي القرنين فهذا يطول, وقال بعضهم اكتبوا على تاريخ فارس فقيل إن الفرس كلما قام ملك طرح ما كان قبله, فأجمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فوجدوا عشر سنين فكتب التاريخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قد يري ذوو الخبرة بأن مصلحة الدولة تتطلب أمراً معيناً فيبادرون بتقديم المشورة للخليفة من دون طلب مسبق منه ويأخذ الخليفة برأيهم إذا رأي المصلحة فيه, مثال لذلك ما قاله الأحنف بن قيس للخليفة عمر “يا أمير المؤمنين إنك قد نهيتنا عن الانسياح في البلاد وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا, وإن ملك فارس حي بين أظهرهم وأنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم ولم يجتمع ملكان فاتفقا حتى يخرج احدهما صاحبه, وان ملكهم هو الذي يبعثهم, فلا يزال هذا رأيهم حتى تأذن لنا فنسيح في بلادهم حتى نزيله عن فارس ونخرجه من مملكته ونقتله أو نلجئه إلى غير مملكته وغير أمته فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس, فقال صدقتني والله وشرحت لي الأمر”.

لم تكن المشورة مقتصرة على سياسة الخليفة عمر بن الخطاب بل أصبحت مظهراً عاماً لساسة الدولة, إذ كان الخليفة يوصي عماله وولاته بجعل الشورى منهجاً لسياستهم، وكتب عمر إلى القضاة مع أول قيامه أن لا تبتوا لقضاء إلا على ملأ, فإن رأي الواحد يقصر إذ استبد ويبلغ إذا استشار والصواب مع المشورة. وأوصى القاضي شريح قائلاً انظر في كتاب الله فلا تسأل عنه أحداً, وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لم يتبين لك في السنة فاجتهد فيه رأيك واستشر أهل العلم والصلاح، ولما اختار الخليفة عمر أبا عبيد قائداً للقوات المتوجهة نحو الشام أوصاه قائلاً اسمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشركهم في الأمر)، وربما حدد الخليفة بعض أهل الخبرة يستشيرهم ويستأنس بهم, كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن ابى وقاص بالقادسية، قد أمددتك بألفي رجل, عمرو بن معد يكرب وطليحة بن خويلد فشاورهما في الحرب ولا تولها شيئاً.

وربما استشار الصحابة في مسائل شخصية، فقد روى أن ملكة الروم أهدت إلى زوجه أم كلثوم بنت على بن أبي طالب عقداً من جوهر, وكانت أم كلثوم قد أهدت إليها من طرائف بلاد العرب فوقع العقد في يد عمر حين أقبل به البريد فلم يشأ أن يؤديه إلى امرأته حتى أمر فنادى في الناس الصلاة جامعة, فلما اجتمع إليه المسلمون استشارهم في هذا العقد فكلهم أشار إليه بان يؤديه إلى أم كلثوم لأنه ملكها ولكنه تحرج من ذلك لأنه حمل إليها في بريد المسلمين فأمر برده إلى بيت المال, وأدى لامرأته ما أنفقت في هديتها لملكة الروم.

وحين أشرف الخليفة عمر بن الخطاب على الموت بعد الطعنة ورأي حرج الموقف, فطلب منه المسلمون أن يستخلف فأجابهم، فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير منى وإن أترك فقد ترك من هو خير منى, فان عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله وهو عنهم راضٍ. فاستخلف النفر الذي توفي رسول الله وهو عنهم راضٍ فأرسل إليهم وجمعهم وهم على بن أبي طالب, وعثمان بن عفان, وطلحة بن عبد الله, والزبير بن العوام, وسعد بن أبي وقاص, وعبد الرحمن بن عوف”.

ولم يترك عمر أمر الشورى فوضي بل حدده بثلاثة أيام، “فأعزم عليكم بألا تتفرقوا في اليوم الثالث حتى تستخلفوا أحدكم وأوصى أن يحضر جلسة الشورى ابنه عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء, وبعض شيوخ الأنصار والحسن بن على وعبد الله بن عباس وجميعاً ليس لهم من الأمر شيء وأوصي أن يصلي صهيب بالناس ثلاثة أيام, واتخذ عمر بن الخطاب عملاً آخر ليضمن نجاح الشورى حيث أوصي جماعة من المسلمين”

وبعد وفاة الخليفة الثاني اجتمع أصحاب الشورى، ودار عبد الرحمن بن عوف لياليه يلقى أصحاب رسول الله ومن أوفى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس ولا يخلو رجل أو امرأة إلا أمره بعثمان، واستشار عدداً كبيراً من الناس بالمدينة, فخرج يلتقي الناس في أنقاب المدينة مثلما لا يعرفه احد, فما ترك أحداً من المهاجرين والأنصار وغيرهم من ضعفاء الناس ورعاهم إلا سألهم واستشارهم.

أما أهل الرأي فأتاهم مستشاراً وتلقي غيرهم سائلاً من ترى الخليفة بعد عمر, وكان يجمع المعلومات، فقد أمضى الثلاثة أيام يستعلم من الناس ما عندهم، وبعد هذه الخطوة التي استحصل فيها إجماع المسلمين في المدينة على استخلاف عثمان بن عفان, طلب من علي بن أبي طالب أن يعطه عهداً ليعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده, فقال على أرجو أن افعل واعمل بمبلغ علمي وطاقتي. ودعا عثمان وقال له مثل ذلك قال نعم، فكان هذا عاملاً آخر دفع عبد الرحمن بن عوف إلى مبايعة عثمان بن عفان بالخلافة. اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان، وازدحم الناس يبايعون عثمان، فجعل الناس يبايعونه، ورجع علي فشق الناس حتى بايع.

مما يوضح الشورى في بيعة عثمان بن عفان أن طلحة كان غائباً عن المدينة ورجع في اليوم الذي بويع فيه لعثمان فقيل له بايع عثمان, فقال أكل قريش راضٍ به؟, قالوا نعم. فأتى وقال أكل الناس بايعوك؟, قال نعم, قال: قد رضيت لا أرغب عما أجمعوا عليه, وبايعه”.

المصدر
موقع التاريخ

الشورى في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه – الجزء الخامس

سمع عمر بن الخطاب تجمع الفرس لقتال المسلمين قبل معركة القادسية سنة 14هـ، فخرج رضي الله عنه خرج في أول يوم من المحرم من سنة أربعة عشر نزل على ماء يدعى صرار فعسكر به ولا يدري الناس ما يريد أيسير أم يقيم, وكانوا إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء رموه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف, وكان عثمان يدعى في زمان عمر رديفاً, وكانوا إذا لم يقدر هذان على شيء مما يريدون ثلثوا بالعباس.

قال عثمان لعمر ما بلغك؟ ما الذي تريد؟ فنادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس فأخبرهم الخبر الذي اقتصصناه في ذكر ما هيج أمر القادسية من اجتماع الناس على يزدجرد وقصد فارس أهلاك العرب, فقال العامة سر وسر بنا, فقال استعدوا فإني سائر إلى أن يجيء رأي هو أمثل من هذا, ثم بعث إلى أصحاب الرأي فاجتمع إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلام العرب فقال احضرونى الرأي فاجتمع ملؤهم على أن يبعث رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقيم ويرميه بالجنود.

فقال له عبد الرحمن أقم وابعث جنداً فليس انهزام جندك كهزيمتك. فنادي عمر الصلاة جامعة فاجتمع الناس إليه فقام في الناس فقال إن الله عز وجل قد جمع على الإسلام أهله فألف بين القلوب وجعلهم فيه إخوانا, والمسلمون كالجسد الواحد لا يخلو منه شيء من شيء أصاب غيره, وكذلك يحق للمسلمين أن يكونوا وأمرهم شورى بينهم من ذوى الرأي منهم, فالناس تبع لمن قام بهذا الأمر, تبع لأولى رأيهم ما رأوا لهم ورضوا به لهم من مكيدة في حرب كانوا فيه تبع لهم, يا أيها الناس, إني إنما كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوى الرأي منكم عن الخروج, فقد رأيت أن أقيم وابعث رجلاً وقد أحضرت هذا الأمر من قدمت ومن خلفت. فقال عمر من ترونه, فقال سعد بن مالك الزهري فاستجاد قوله وأرسل أي سعد فأمره على العراق.

فترى أن الخليفة عمر بن الخطاب عدل عن رأيه ورأي عامة الناس إلى رأي أهل المشورة والخبرة من كبار الصحابة سواء في إقامته وبعث أحد الصحابة أو في اختيار الصحابي الذي يتولى القيادة في هذه المعركة الكبيرة.

يتكرر هذا مرة أخرى سنة 19هـ قبل معركة نهاوند وقد كانت عظماء الأعاجم من أهل قومس وأهل الري وأهل نهاوند قد تكاتبوا وتعاهدوا على أن يخرجوا من بلادهم وأن يغزوهم فبلغ ذلك أهل الكوفة ففزعوا بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فلما قدموا إليه نادى في الناس إلى صلاة جامعة فاجتمع الناس, ثم صعد المنبر فقال أيها الناس, إن الشيطان قد جمع جموعاً فأقبل بها ليطفئوا نور الله إلا أن أهل قومس وأهل الري وأهل همذان وأهل نهاوند قد تعاهدوا على أن يخرجوا العرب من بلادهم ويغزوكم في بلادكم, فأشيروا على.

فقام طلحة فقال أنت ولي هذا الأمر, وقد أحكمت التجارب فادعنا نجب وأمرنا نطع فأنت مبارك الأمر ميمون النقيبة, ثم جلس فقال عمر تكلموا فقام عثمان فقال: أرى أن تكتب إلى أهل الشام فيسيرون من شامهم وتكتب إلى أهل اليمن فيسيرون من يمنهم وتسير أنت بنفسك من هذين الحرمين إلى هذين المصرين من أهل الكوفة والبصرة فتلقي جموع المشركين في جموع المسلمين, ثم قام علي بن أبي طالب فقال: إنك إن أشخصت أهل اليمن سارت الحبشة إلى ذراريهم, وإنك إن شخصت من هذين الحرمين انتفضت عليك الأرض من أقطارها حتى تكون ما تخلف خلفك من العورات أهم إليك مما بين يديك, ولكن أرى أن تكتب إلى أهل البصرة فيفترقون, ففرقة تقيم في أهلها وفرقة يسيرون إلى إخوانهم بالكوفة, وأما ما ذكرت من كثرة القوم فلم نكن نقاتلهم فيما خلا بالكثرة ولكنا نقاتلهم بالنصر.

فوافق الصحابة على هذا الرأي وأخذوا به, ثم طلب منهم اختيار القائد المناسب للمعركة، قال أشيروا علي به واجعلوه عراقياً فخول الصحابة عمر بن الخطاب باختيار القائد لخبرته الكبيرة بالرجال فتم اختيار النعمان بن مقرن قائداً لمعركة نهاوند. واستشار الخليفة الصحابة في قضية كبيرة أخرى تتعلق بأرض السواد.

لما افتتح السواد شاور عمر رضي الله عنه الناس فرأي عامتهم أن يقسمه وكان بلال بن رباح من أشدهم في ذلك, وكان رأي عبد الرحمن بن عوف أن يقسمه, وكان رأي عثمان وعلى مع رأي عمر رضي الله عنهم, وكان رأي عمر أن يتركه ولا يقسمه حتى قال عند إلحاحهم اللهم اكفني بلالاً وأصحابه فمكثوا بذلك أياماً.

فقال إني وجدت حجة قال الله تعالى: {وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحشر:6], حتى فرغ من شأن بني النضير فهذه عامة في القرى كلها، ثم قال: {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أهل الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر:7]. ثم قال: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر:8].

ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9] فهذا ما بلغنا والله أعلم للأنصار خاصة, ثم لم يرضي حتى خلط بهم غيرهم فقال: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر:10] فكانت هذه للمقاتلين وغيرهم, فكيف أقسمها بينهم فيأتي من بعدهم فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الأبناء وحيزت؟ ما هذا بالرأي.

فقال عبد الرحمن بن عوف فما الرأي؟ ما الأرض والعلوج إلا مما أفاء الله عليهم, فقال عمر ما هو إلا كما تقول ولست أرى ذلك. والله لا يفتح بعدى بلد يكون فيها كبير نيل بل عسى أن يكون كلأ للمسلمين, فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام بعلوجها فما يسد الثغور؟ وما يكون للذرية وللأرامل بهذا البلد وبغيره من أهل الشام والعراق؟ فأكثروا على عمر وقالوا أتقف ما أفاء الله علينا بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا ولا أبناء القوم ولا أبناء أبنائهم ولم يحضروا؟ فكان عمر لا يزيد على أن يقول هذا رأي, قالوا فاستشر, فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا, أما عبد الرحمن بن عوف فكان رأيه أن تقسم لهم حقوقهم, ورأي عثمان وعلى وطلحة وابن عمر رأي عمر فصرفهم.

أرسل إلى عشرة من الأنصار, خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم فلما اجتمعوا عرض رأيه وحجته وقال إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم, فإني واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون بالحق.. قالوا قل نسمع يا أمير المؤمنين.. قال قد رأيت أن أحبس بعلوجها وأضع عليهم فيها الخراج وفوق رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئاً للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي بعدهم. أرأيتم هذه الثغور؟ لابد لها من رجال يلزمونها, أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر؟ لابد من شحنها بالجند وإدرار العطاء عليهم, فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟ فقالوا جميعاً الرأي لك, فنعم ما قلت ورأيت.. فقال قد بان لي الأمر فمن رجل له جزالة وعقل ويضع الأرض مواضعها ويضع العلوج ما يحتملون؟ فاجتمعوا له على عثمان بن حنيف وقالوا: تبعثه إلى أهم من ذلك, فان له بصراً وعقلاً وتجربة, فأسرع إليه عمر فولاه مساحة من أرض السواد.

المصدر
موقع التاريخ

الشورى في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه – الجزء الرابع

كان للشورى دورٌ كبير في حباة الخليفة الصديق، وكان لمشورة عمر بن الخطاب واقتراحه على الخليفة الصديق أثر في قيام الخليفة بعمل عظيم ألا وهو جمع القرآن. أورد الإمام البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال: “أرسل إلى أبو بكر الصديق رضي الله عنه مقتل أهل اليمامة إن عمر أتاني فقال إن القتل استحر يوم اليمامة بقراء القرآن, واني أخشي إن استمر القتل بالقراء فيذهب كثير من القرآن, وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن, قلت لعمر كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر هذا والله خير, فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبى بكر وعمر رضي الله عنهما”.

فنجد إن الخليفة الصديق اخذ بمشورة عمر بن الخطاب لما رأي أن في ذلك مصلحة عامة وأيضاً لما كانت المصلحة لا تتعارض مع الوحي “الكتاب والسنة”.

وصورة أخرى من الشورى في حياة الخليفة الصديق ذلك أن أبا بكر لما أراد غزو الروم دعا علياً وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبا عبيدة بن الجراح ووجوه الأنصار والمهاجرين من أهل بدر وغيرهم رضي الله عنهم, فدخلوا عليه فقال أبو بكر رضي الله عنه: رأيت أن استنفر المسلمين إلى جهاد الروم بالشام ليؤيد الله المسلمين ويجعل كلمته هي العليا مع أن للمسلمين في ذلك الحظ الأوفر, لان من هلك منهم هلك شهيداً وما عند الله خير للأبرار ومن عاش عاش مدافعاً عن الدين مستوجباً من الله ثواب المجاهدين, وهذا رأيي الذي رأيته فليشر امرؤ على برأيه.

فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال الحمد لله الذي يخص بالخير من شاء من خلقه, والله ما استبقنا إلى شيء من الخير قط إلا سبقتنا إليه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم, والله رأيت لقاءك بهذا الرأي الذي رأيت فما قضى أن يكون حتى ذكرته فقد أصبت أصاب الله بك سبيل الرشاد, سرب إليهم الخيل في اثر الخيل وابعث الرجال بعد الرجال والجنود يتبعها الجنود فان الله ناصر دينه ومعز الإسلام بأهله.

ثم إن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قام فقال: يا خليفة رسول الله إنها الروم وبنو الصفر حد حديد وركن شديد ما أري أن نقتحم عليهم اقتحاماً ولكن نبعث الخيل فتغير في غواصي أراضيهم ثم ترجع إليك وإذا فعلوا ذلك بهم مراراً اضروا بهم وغنموا من أدنى أرضهم فقعدوا بذلك عن عدوهم, ثم نبعث إلى أرضي اليمن وأقاصي ربيعة ومضر ثم تجمعهم جميعا إليك ثم لئن شئت بعد ذلك غزوتهم بنفسك وان شئت أغزيتهم.

فقال أبو بكر: ما ترون؟ فقال عثمان بن عفان أنى أرى انك ناصح لأهل هذا الدين شفيق عليهم, فإذا رأيت رأياً تراه لعامتهم صالحاً فاعزم على إمضائه غير ظنين. فقال طلحة والزبير وسعد وأبو عبيدة وسعيد بن زيد وكل من حضر المجلس من الصحابة والمهاجرين رضي الله عنهم, صدق عثمان, ما رأيت من رأي فامضه, وذكروا هذا وأشباهه وعلى رضي الله عنه في القوم لم يتكلم, فقال أبو بكر ما تري يا أبا الحسن, فقال إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نصرت عليهم إن شاء, فقال بشرك الله بخير, ومن أين علمت ذلك, قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “لا يزال هذا الدين ظاهراً على كل من ناوأه حتى يقوم الدين وأهله ظاهرون”.

وبعد أن استمع الخليفة إلى آراء كبار الصحابة, وبعد المشاورات والمداولات في هذه القضية الهامة, اصدر الخليفة الصديق القرار الذي توصل إليه الصحابة بعد الشورى، ثم إن أبا بكر رضي الله عنه قام في الناس فذكر الله بما هو أهله وصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس إن الله قد انعم عليكم بالإسلام وأكرمكم بالجهاد وفضلكم بهذا الدين علي كل دين, فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام فإني مؤمر عليكم أمراء وعاقد لكم الولاية فأطيعوا ربكم ولا تخالفوا أمراءكم لتحسن نيتكم وأشربتكم وأطعمتكم.

ولم تقتصر الشورى عند الخليفة الصديق عند قضايا الإدارة والسياسة بل كان يلتزم بالشورى حتى في القضاء لا سيما في المستجدات, أورد ابن القيم عن ميمون بن مهران أن أبا بكر رضي الله عنه كان إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله, فإذا وجد ما يقضى بينهم قضي به, وان لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر سنة قضى بها, فان أعياه خرج فسأل المسلمين فقال أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضي في ذلك بقضاء, فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضاء فيقول أبو بكر الحمد الله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا, فان أعياه أن يجد فيه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم, فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به.

المصدر
موقع التاريخ

حلم النبي صلى الله عليه وسلم

جذبه أعرابي فأمر له بعطاء
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُردٌ نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثَّرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مُرْ لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه صلى الله عليه وسلم فضحك، ثم أمر له بعطاء.

يدعو بالهداية لمن آذاه
عن عبد الله بن عبيد قال: لما كسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشُجَّ في جبهته، فجعلت الدماء تسيل على وجهه، قيل: يا رسول الله، ادعُ الله عليهم. فقال صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْنِي طَعَانًا وَلا لَعَّانًا، وَلَكِن بَعَثَنَي دَاعِية وَرَحْمَة، اللهُمَّ اغْفِر لِقَومِي فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ”.

من يمنعك مني؟
يروي جابر بن عبد الله، يقول: قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏مُحَارِبَ ‏خَصَفَةَ ‏بِنَخْلٍ، ‏فَرَأَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏ ‏غِرَّةً؛ ‏فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ:‏ ‏غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ‏ ‏حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ‏صلى الله عليه وسلم ‏بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: “اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ”، فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ‏صلى الله عليه وسلم ‏فَقَالَ: “مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟”، قالَ: كُنْ كَخَيْرِ آخِذٍ، قَالَ: “أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟” قَالَ: لا، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ أَنْ لاَ أُقَاتِلَكَ، وَلاَ أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ. فَخَلَّى سَبِيلَهُ. قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى أَصْحَابِهِ، قَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ”.

أعطوه سنا مثل سنه
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً”، ثُمَّ قَالَ: “أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ”. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلاَّ أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ. فَقَالَ: “أَعْطُوهُ؛ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً”.

لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما
قال زيد بن سعنة -وكان من أحبار اليهود قبل أن يسلم-: إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حِلمًا، فكنت أتلطف له لأنْ أخالطه فأعرف حلمه وجهله.

قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجرات، ومعه علي بن أبي طالب، فأتاه رجل على راحلته كالبدويِّ، فقال: يا رسول الله، قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإسلام، وكنت أخبرتهم أنهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغدًا، وقد أصابهم شدة وقحط من الغيث، وأنا أخشى يا رسول الله أن يخرجوا من الإسلام طمعًا كما دخلوا فيه طمعًا، فإن رأيت أن تُرسِل إليهم من يُغيثهم به فعلت.

قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل جانبه أراه عمر فقال: ما بقي منه شيء يا رسول الله. قال زيد بن سعنة: فدنوت إليه، فقلت له: يا محمد، هل لك أن تبيعني تمرًا معلومًا من حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا؟ فقال: “لاَ يَا يَهُودِيُّ، وَلَكِن أَبِيعُكَ تَمْرًا مَعْلُومًا إِلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، وَلا أُسَمِّي حَائِطَ بَنِي فُلانٍ”. قلت: نعم. فبايَعَنِي صلى الله عليه وسلم، فأطلقت همياني، فأعطيته ثمانين مثقالاً من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا، قال: فأعطاها الرجل وقال: “اعْجَلْ عَلَيْهِمْ وأَغِثْهُمْ بِهَا”.

قال زيد بن سعنة: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، ونفر من أصحابه، فلما صلَّى على الجنازة دنا من جدار فجلس إليه، فأخذت بمجامع قميصه، ونظرت إليه بوجهٍ غليظ، ثم قلت: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب بمَطْلٍ، ولقد كان لي بمخالطتكم علم.

قال: ونظرتُ إلى عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره وقال: أيْ عدو الله، أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع، وتفعل به ما أرى؟! فوالذي بعثه بالحق، لولا ما أحاذر قوته لضربت بسيفي هذا عنقك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكونٍ وتؤدة، ثم قال: “إِنَّا كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنْكَ يَا عُمَرُ، أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الأَدَاءِ، وَتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التِّبَاعَةِ، اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ فَاقْضِهِ حَقَّهُ، وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ غَيْرِهِ مَكَانَ مَا رُعْتَهُ”.

قال زيد: فذهب بي عمر فقضاني حقي، وزادني عشرين صاعًا من تمر. فقلت: ما هذه الزيادة؟ قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أزيدك مكان ما رُعْتُكَ. فقلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا، فمن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة، قال: الحَبْر؟ قلت: نعم، الحبر. قال: فما دعاك أن تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلت، وتفعل به ما فعلت؟ فقلت: يا عمر، كل علامات النبوة قد عرفتُها في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أختبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، فقد اختبرتهما، فأُشهدك -يا عمر- أني قد رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا، وأشهدك أن شطر مالي -فإني أكثرها مالاً- صدقة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: أوْ على بعضهم؛ فإنك لا تسعهم كلهم.

قلت: أو على بعضهم. فرجع عمر وزيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم”.

المصدر
موقع قصة الإسلام

اقرأ .. أول ما نزل من القرآن الكريم

دخل جبريل عليه السلام في غار حراء، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “اقْرَأْ”. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5].

وقفة مع الآيات الخمس الأولى التي نزلت
الحق أننا ينبغي أن نقف وقفة مع الآيات الخمس الأولى التي نزلت، وخاصة مع الكلمة الأولى التي نزلت من هذه الآيات الخمس على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث جاءت الآيات تحثُّ على موضوع واحد؛ وهو موضوع العلم، وتختار وسيلة واحدة من وسائل التعلُّم وهي القراءة؛ لتُصبح هي البداية لهذا المنهج الرباني العظيم.

إن القرآن الكريم يزيد عن 77 ألف كلمة، ومن بين كل هذا الكمِّ من الكلمات، كانت كلمة: “اقرأ”. هي الأولى في النزول، كما أن في القرآن الكريم آلافًا من الأوامر مثل: {أَقِمِ الصَّلاَةَ} [هود: 114]، ومثل: {آتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، ومثل: {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ} [البقرة: 218]، ومثل: {وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان: 17]، ومثل: {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 254].

من بين كل هذه الأوامر نزل الأمر الأول: “اقرأ”، مع الأخذ في الاعتبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب، وقد تحلَّى بآلاف الفضائل والأخلاق الحميدة، وكان من الممكن أن يتحدَّث القرآن الكريم في أولى آياته عن أحد هذه الأخلاق العظيمة؛ لكن يبدو أن الإشارة واضحة من أن مفتاح بناء هذه الأُمَّة، وأول الطريق الصحيح هو “العلم”، وإحدى أهم وسائل التعلُّم كما أشار ربُّنا عز وجل هي القراءة، وبالتالي كرَّر الأمر بالقراءة في الآيات الخمس الأولى مرتين.

وذكر كلمة العلم بمشتقاتها ثلاث مرات، وذكر القلم وهو وسيلة من وسائل الكتابة مرَّة، كل ذلك في خمس آيات؛ مما يدلُّ على أهمية العلم والقراءة في حياة أُمَّة الإسلام، ولَفْت النظر إليه كان ضرورةً؛ ليعلم المسلمون كيف يبدءون بناء أمتهم بعد ذلك، كما لفتت الآيات النظر إلى أن القراءة المطلوبة هي قراءة بسم الله عز وجل.

ومعنى هذا أنها قراءة تُرضي الله ولا تغضبه، فهي ليست قراءة منحرفة، وليست قراءة تافهة أو ضالَّة أو مُضِلَّة؛ إنما هي قراءة كما أمر الله عز وجل باسمه تعالى، وعلى الطريقة التي علَّم بها الله عز وجل عباده المؤمنين.

كذلك الآيات تتحدَّث عن صفة من صفات الله عز وجل لم يَدَّع أحد من المشركين أن هذه الصفة منسوبة لأحد الآلهة التي يعبدونها من دون الله، وهي صفة الخلق؛ حيث قال الله عز وجل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]؛ وهذا لكي ينتفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أي نوع من الالتباس في الذي رآه.

رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ زمن وهو يبحث عن خالق هذا الكون، وخالق الناس، وكيف يمكن أن يعبده، فيلفت الله عز وجل نظره إلى أن جبريل الذي جاءه بهذه الآيات يتحدَّث عن الإله الذي خلقه وخلق السماوات والأرض، وخلق كل شيء؛ ومن ثَمَّ يأخذ انتباه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجعل وعيه يُدرك أنه في موقف حقيقي، وليس في وهم أو خيال.

المصدر
موقع قصة الإسلام

الوحي والنبوة

توالت آثار النبوة تلوح عليه صلى الله عليه وسلم، وكان أعظم ذلك الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى شيئاً في منامه إلا كان مثل فلق الصباح في تحققه حتى مضى على ذلك ستة أشهر، ثم نزل عليه الوحي بالقرآن الكريم وهو متحنث في غار حراء، وذلك شهر رمضان في السابع والعشرين منه – على الأرجح – وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيما روته عنه عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [العلق: 1-3].

رَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَقَالَتْ خَدِيجَةُ كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ”.

بعد هذه الواقعة استمر نزول الوحي بالقرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثة عشر سنة، ثم بالمدينة النبوية بعد الهجرة عشر سنين، حتى اكتمل نزول القرآن، فكان هو الكتاب المتضمن لمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم في لغته ومضمونه ومعانيه، بما حواه من أخبار وآيات في الآفاق والأنفس، وحقائق علمية معجزة بجانب كونه الكتاب المتضمن لشرائع الإسلام وأحكام به. وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم سنين بعثته الأولى وهي ثلاث عشر سنة بمكة التي أضطهده فيها أهلها وأخرجوه منها مهاجراً إلى المدينة المنورة التي أنشأ فيها دولة الإسلام وتكاملت بها تشريعات الإسلام وتوسعت دائرته إلى خارج الجزيرة العربية حتى توفاه الله تعالى في السنة العاشرة للهجرة.

روايات نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم
رواية عائشة رضي الله عنها

عائشة رضي الله عنها لم تُعاصر الحدث؛ ولكنها سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من أحد الصحابة؛ كأبيها أبي بكر رضي الله عنه أو غيره، وإن كانت هناك بعض الإشارات في الحديث إلى أنها سمعت الحديث من الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة؛ لأن هناك التفاتًا في بعض الفقرات، التي يتحدَّث فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، والحديث في أعلى درجات الصحة، وجاء في البخاري ومسلم، ومن أكثر من طريق.

رواية عبيد بن عمير بن قتادة
الرواية الثانية التي تحدَّثت في أمر الوحي بالتفصيل؛ فهي رواية عبيد بن عمير بن قتادة في سيرة ابن إسحاق، وعبيد بن عمير من كبار التابعين، وأبوه صحابي جليل، وعبيد رحمه الله يروي عن كثير من الصحابة منهم عمر وعلي وأبو ذر وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري وعائشة وابن عمر .. وغيرهم رضي الله عنهم، وهي رواية صحيحة، وفيها تفصيلات كثيرة مهمَّة.

المصدر
موقع قصة الإسلام